الإثنين, 15 يونيو, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةرأىد. أميرة المهدي تكتب| ملاحم صامتة.. أمومة من طراز خاص

د. أميرة المهدي تكتب| ملاحم صامتة.. أمومة من طراز خاص

ليست كل أمٍّ تعيش أمومة عادية فهناك أمهات كُتبت عليهن الأمومة «جهادًا صامتًا» يمتد العمر كله. فالأمومة في وعينا الجمعي ترتبط بسنوات تعبٍ أولى، يعقبها حصاد وفرح بالنجاح والتخرج؛ لكنها لدى بعض الأمهات وقوف مستمر في نفس المربع، حيث يتقدم العمر بالابن، وتشيخ يد الأم، بينما تظل تفاصيل الرعاية اليومية الشاقة هي ذاتها تفاصيل اليوم الأول بلا تغيير.
إن تضحيات هؤلاء الأمهات لم تقتصر على سهر ليلة أو ليلتين، بل ضحين بملامح حياتهن الشخصية، وبخططهن للمستقبل، وبحقّهن الأصيل في النوم المستقر لسنوات طوال، فقط ليرتقين إلى مرتبة «المترجم» و«الحامي» لأبناء غُيبت أصواتهم عن العالم بفعل اضطراب التوحد.
والوجع الأكبر خلف الأبواب المغلقة حث
تتجلى المعاناة الأعمق في تفاصيل حياة أم طفل التوحد؛ حين يكبر الجسد، ويصبح الابن شابًا يافعًا لكنه ما زال غير قادر على أن يقول: “أنا أتألم”، أو “أنا جائع”، أو حتى “أحبكِ يا أمي”. يظل الابن لغزًا مغلقًا، لا يملك سوى صرخات مبهمة أو نظرات حائرة، لتتحول الأم إلى المحقق والمفسر الوحيد الذي يتعين عليه فك طلاسم هذا الغموض على مدار الساعة.
وما لا يراه أحد حين تضطر الأم ـ بعد أن تقدم بها وبابنها العمر ـ أن تقوم بأبسط مهام الرعاية الأولية، كاستمرار حاجته لارتداء وتغيير “الحفاضات اليومية” لجسدٍ كبر واستطال. وفي المقابل، ينظر المجتمع إما بإشفاق جارح أو بجهل يلوم. هنا تنكسر القلوب في الخفاء، وتُذرف دموع لا يعلم مرارتها إلا الله؛ حيث لا يوجد أفق تخرج يُحتفل به، بل مسؤولية ممتدة بلا نهاية مرئية.
وهناك أمنيات بسيطة وسؤال يؤرق الروح
تتمنى هذه الأم لو تسمع اسمها لمرة واحدة من فم ابنها، أو تراه يعبر الشارع بمفرده، أو ينام ليلة واحدة دون قلق واضطراب في الحواس والروح. وتحت وطأة هذا الحمل، تئن الأم خوفاً من القادم، ويطاردها السؤال الذي يأكل قلبها كل ليلة:
«مَن له من بعدي؟».
ومع كل هذا الثقل النفسي والجسدي، يطالبها المجتمع بأن تظل دائمًا القوية، الصابرة، والباسمة. وإذا اشتكت أو بكت من فرط الإنهاك، واجهها البعض بعبارات معلبة مثل: “هذا بابكِ للجنة”، وكأن العبء الذي تنوء به الجبال ليس حقيقيًا، وكأنها لا تملك حق الإحساس بالتعب البشري الطبيعي.

المجتمع لا يري سوى الظاهر؛ نرى الأم الواقفة على قدميها، لكننا لا نرى عظامها ومفاصلها التي تئن من عبء حمل وتحريك طفل كبر وزاد وزنه، ولا نرى روحها التي استُنزفت وهي تحاول حماية ابنها من نظرات التنمر، أو من غياب الاستيعاب والدمج الحقيقي في الشوارع والمؤسسات.

إن أمهات أطفال التوحد اللواتي يحملن هذا العبء الثقيل والأمانة الكبرى برحمة، ويبتلعن غصّاتهن ليوفرن بيئة آمنة وحضناً وسنداً لأبناء لم يختاروا هذا البلاء؛ هؤلاء الأمهات هن التجسيد الحي للرحمة الإلهية على الأرض.
إن هذه المعاناة اختبار يفوق طاقة البشر العادية، وهو ما يستوجب وجود مجتمع يدعم ويحتضن ويشرّع القوانين التي تساندهن، لا مجتمع ينتقد ويُنظّر من بعيد.

والحقيقة الساطعة التي يجب أن يعيها الجميع: أن هؤلاء الأمهات لم تُفتح لهن الجنة لمجرد لقب بيولوجي، بل فُتحت لهن بصبرهن على طحن الأيام، وبدموعهن السريّة التي تمسح وجع أولادهن كل يوم.. هذه ليست مجرد أمومة، بل رسالة إنسانية سامية يحملنها بمفردهن وسط صمت العالم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات