الأربعاء, 15 يوليو, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةرأىد. أميرة المهدي تكتب| "ماذا لو لم يكن التوحد؟"

د. أميرة المهدي تكتب| “ماذا لو لم يكن التوحد؟”

سؤال بسيط في صياغته، لكنه عميق ومزلزل في أثره ومغزاه؛ يطرق أبواب قلوب أمهات أطفال التوحد في لحظات الصمت والهدوء.

د. أميرة المهدى
د. أميرة المهدى

إنه ليس مجرد تساؤل عابر، بل هو نافذة تطل على حيوات بديلة، ومسارات شخصية ومهنية تم التخلي عنها، أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى، لصالح رحلة استثنائية لم تكن يومًا في الحسبان.
لو لم يكن التوحد في حياتي، لربما كنت اليوم أتابع بشغف مسيرتي الأكاديمية في أروقة كلية الهندسة، أتنقل بين المؤتمرات العلمية، وأرتب تفاصيل السفر والترقي الأكاديمي والمهني بيسر وسهولة. لربما حظيت بفرصة النوم لليلة كاملة دون قلق يمزق الهدوء، أو تمكنت من التخطيط ليومي وتفاصيل حياتي دون حسابات معقدة للمفاجآت. لربما اتسع الوقت للقراءة، وللاهتمام بالذات، ولحياة تخلو من وطأة المسؤولية المضاعفة ومن شح الرفاهية المادية التي يلتهمها الإنفاق المستمر على جلسات التأهيل والعلاج.
لكن الواقع كتب مسارًا آخر؛ لقد غيّر التوحد كل شيء. أعاد ترتيب الأولويات، وبدّل المواعيد، وحوّل مجرى الأحلام الشخصية بالكامل.
ومع ذلك، وفي قلب هذا التغيير الجذري، تكمن حقيقة أخرى لا تقل نصوعًا: التوحد لم يأخذ فقط، بل منح أيضًا. لقد كان مدرسة قاسية لكنها ملهِمة، علمتني من الدروس ما لم تكن لتعلمني إياه أعرق الجامعات.
علمني التوحد الصبر في أبهى صوره، وكيف أن الانتصارات الصغيرة التي قد يبصرها الآخرون عادية، تستحق منا أكبر الاحتفالات. علمني أن كلمة واحدة ينطقها الطفل بعد شهور وسنوات من المحاولات المضنية، تعادل في قيمتها الدنيا وما فيها. لقد أعاد التوحد تعريف مفهوم النجاح في قاموسي؛ فالنجاح لم يعد مجرد شهادة تُعلق أو منصب يُنال، بل قد يتجسد في نظرة عين تلتقي بنظرتي لأول مرة، أو في حضن دافئ يأتي بعد سنوات من الجفاء والانتظار.
نعم، في هذه الرحلة الطويلة تمر لحظات يغلب فيها التعب، وتتساقط الدموع صدقًا وألمًا، ويتسلل السؤال الإنساني الحتمي: “لماذا أنا؟”. لكن في كل مرة يرتد فيها البصر إلى طفلي، أدرك أن وجودي في تفاصيل حياته ليس محض صدفة عابرة، بل هو رسالة نبيلة، ومهمة مقدسة صيغت تفاصيلها بدقة.
ربما لو لم يكن التوحد، لكنت عشت حياة أسهل وأكثر هدوءًا واستقرارًا. لكن الأكيد، أنني ما كنت لأكون النسخة التي أنا عليها اليوم؛ نسخة أكثر قوة، وأعمق إنسانية، وأشد قدرة على العطاء.
إن هذه الكلمات ليست مجرد بوح ذاتي، بل هي دعوة لكل أم تخوض هذه المعركة الصامتة يوميًا تحت مظلة التوحد: ماذا لو لم يكن التوحد؟ ماذا كان زمانكِ تفعلين الآن؟
إن مشاركة هذه المشاعر والاعتراف بصعوبتها ليس ضعفًا، بل هو جسر يربطنا معًا، لنتقاسم العبء ونخفف عن بعضنا البعض، وليعلم كل أب وتعرف كل أم تقف في هذه الساحة… أنهم ليسوا بمفردهم في هذه الرحلة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات