ثمة خيوط خفية لا تقوى مسافات الأرض ولا قسوة الاغتراب على قطعها، خيوط تغزلها جينات الهوية المصرية، وتوقظها في لحظة فارقة صيحة واحدة: “مصر”. هذا تماماً ما شهده العالم، وتحديداً شوارع الولايات المتحدة الأمريكية والمدن الأوروبية المجاورة، مع تأهل منتخبنا الوطني إلى دور الـ 32؛ حيث تحولت العواصم الغربية، بقدرة قادر وبقوة الانتماء، إلى امتداد طبيعي لقلب الحارات والشوارع المصرية النابضة بالحياة.
لم تكن مباريات المنتخب مجرد تسعين دقيقة من التنافس الرياضي، بل كانت مظاهرة في حب الوطن، قادها “سفراء فوق العادة”؛ أبناء مصر المغتربون الذين حملوا معهم “الجدعنة” والأصالة، وتركوا بيوتهم ليصنعوا ملحمة وطنية فريدة. في كل مواجهة، كان زحف الآلاف من الجاليات المصرية صوب الملاعب مشهداً مهيباً، احتلوا فيه المدرجات وهتفوا بصوت واحد زلزل أركان الاستادات، لتبدو الساحات العالمية وكأنها “استاد القاهرة” بجلاله وصخبه، ولتغدو أصواتهم الهادرة أعلى وأقوى من جماهير المنتخبات المنافسة كافة.
خارج أسوار الملاعب، كانت الدهشة الأكبر للغرب؛ فشوارع أمريكا وميادينها الشهيرة لبست ثوباً قاهرياً خالصاً. لم يكن غريباً أن ترى الأعلام المصرية تُباع في إشارات المرور عند تقاطعات نيويورك أو واشنطن، تماماً كما يحدث في شوارع المحروسة. امتدت مسيرات الفرح لترسم لوحة شعبية متحركة؛ وجوه ملونة بألوان علم مصر، أغانٍ وطنية تصدح في أكبر الميادين، وأعلام ترفرف بكبرياء في أعتى العواصم الغربية، لتعلن للجميع أن مصر ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي حالة تسكن دماء أبنائها أينما حلوا.
لقد تجلت عظمة “ابن مصر” المغترب، الذي غاب لسنوات وعقود، في تلك المشاعر العفوية الصادقة؛ فخلف كل هدف كانت تسيل دموع الفرحة، ومع كل تعادل يظهر القلق والخوف، وعند كل نصر تنطلق رقصات الفرحة المصرية المميزة التي تجمع بين البهجة الشديدة والشجن النبيل. هؤلاء هم “الجنود المجهولون” الذين دافعوا عن اسم بلدهم بحبهم، وقدموا للعالم نموذجاً مذهلاً في الوطنية المخلصة والغيرة على شعار الوطن.
إن ما جرى في الولايات المتحدة لم يكن مجرد تشجيع عابر لكرة القدم، بل كان إعلاناً صريحاً بأن المواطن المصري في الخارج، مهماً بعدت به المسافات أو نال من لغته اللسان الغربي، يظل قلبه ينبض بالعروبة والمصرية، يظل جندياً مدافعاً عن طين هذا البلد، وشامخاً بحبه وأصالته. لقد نجح المغتربون، بصدق مشاعرهم وكثافة حضورهم، في تحويل الساحات الأمريكية مؤقتاً إلى “الولايات المتحدة المصرية”.
شكراً لأبناء مصر في كل مغترب، شكراً لأنكم كنتم خير سفراء، وخير جند، ولأنكم أثبتم مجدداً أن مصر لا تترك أولادها، وأن أولادها -مهما تغربوا- لا يملكون إلا أن يهدوها النصر والعشق والدموع. فخورة بكم.. وعاشت مصر بأبنائها في الداخل والخارج.



