ليست الامتحانات مجرد أوراق تُوزَّع على الطلاب ولا أسئلة تُقاس بها الدرجات، بل هي لحظة فاصلة تختبر فيها الدولة قدرتها على تحقيق العدل قبل أن تختبر قدرات أبنائها وحين تتحول قاعات الامتحان إلى ساحات للقلق، وتغدو الدموع لغةً مشتركة بين الطلاب وأولياء الأمور، فإن الأمر لم يعد يتعلق بصعوبة سؤال أو طول امتحان، بل بمنظومة تحتاج إلى مراجعة شاملة فالتعليم رسالة لبناء الإنسان، والامتحان وسيلة للتقويم لا أداة لإرهاق النفوس أو كسر الطموحات، ومن هنا يبرز السؤال الذي يتردد على ألسنة الجميع: متى تنتهي أزمة الثانوية العامة؟
اليوم كان امتحان مادة اللغة العربية لطلاب الثانوية العامة، وأتحدث هذه المرة بصفتي أستاذًا وخبيرًا في التربية، وأستاذًا لتطوير المناهج. وأؤكد أن طريقة الاستعراض في وضع الامتحانات لا تزال مستمرة في مرحلة التقييم بامتحانات الثانوية العامة، وما زالت تُدار بنفس الأسلوب، رغم أننا – كخبراء في التربية – أوضحنا مرارًا أن الهدف من الامتحانات هو تقويم المنهج وفق معايير محددة، وفي فترة زمنية محددة، لتحقيق أهداف تربوية وأكاديمية، وإجراء ما يُسمى بعملية الإصلاح للمناهج والمقررات، وليس الاستعراض.
وهناك، بالمناسبة، طرق علمية لوضع الامتحانات، ومعايير متفق عليها، من بينها التدرج في مستوى الصعوبة، ومراعاة الفروق الفردية، ووضع بعض الأسئلة التي تقيس المهارات العليا للتفكير والإبداع، مع مراعاة الزمن، بحيث يتناسب تمامًا مع الأسئلة الموضوعة في الامتحان.
ولكن ما يحدث بعيد تمامًا عن اتباع معايير وضع الامتحانات، وأصبح الطالب المصري لا حول له ولا قوة. فلماذا لا يتم الاستعانة بالسادة أساتذة التربية والمتخصصين في القياس والتقويم ووضع الامتحانات؟ ولماذا يتكرر الخطأ كل عام؟ ولماذا تتكرر حالات الانهيار النفسي، بل والانتحار، ويزداد شعور الأسرة المصرية الكادحة بالقلق بعد عام دراسي طويل وشاق على الطلاب وأسرهم؟
ولعل وجود ثلاث حالات وفاة في محافظة الشرقية مؤشر خطير، إلى جانب شكاوى الطلاب، والبكاء والانهيار، خاصة أن أول امتحان – أو ما يُسمى في كليات التربية بـ”البداية الآمنة” – يجب أن يمنح الطالب الثقة حتى يستطيع استكمال باقي المواد. ومن الطبيعي أن يتسم هذا الامتحان بالوضوح، وألا يكون بالغ الصعوبة أو الإطالة، خاصة أن أبناءنا يعيشون في ظروف صعبة، مع ارتفاع كبير في درجات الحرارة، وضغوط نفسية وأسرية شديدة، وكلها أمور يجب أن توضع في الحسبان.
إن الشكاوى من امتحان اللغة العربية، في بداية ماراثون الامتحانات، تؤكد أن هناك وضعًا غريبًا، وتكرارًا لخطأ يجعل الامتحانات أكثر صعوبة على طلابنا، فيظل الطالب المصري والمواطن المصري في أزمة نفسية، ويزداد الأمر صعوبة في باقي الامتحانات.
وعليه، فإن وزارة التربية والتعليم لا تتعلم من الخطأ الذي يتكرر كل عام. ولعل الأمر الأكثر غرابة هو تكرار هذا الخطأ بصورة ملحوظة عامًا بعد عام.
وأكرر: ليس الهدف من الامتحان الاستعراض، وإنما تقويم الطالب والمنهج، ومعرفة أوجه القوة والقصور، ولذلك يجب على الوزارة مراعاة ذلك لمصلحة الطالب.
وأنا، بصفتي دكتورة وتربوية مصرية، أشعر أن طلابي يتعرضون لصعوبة مبالغ فيها، وأن تكرار ذلك يؤثر في تحصيلهم الدراسي، وفي حالتهم النفسية، وقدرتهم على استكمال باقي المواد. لذلك يجب مراعاة الحالة النفسية للطالب، خاصة في أول امتحان، كما يجب الاستماع إلى شكاوى الطلاب ووضعها في الاعتبار، حتى نعبر هذه المرحلة التي أصبحت تمثل ضغوطًا هائلة على الأسرة المصرية والطالب المصري، الذي يبذل قصارى جهده.
كما يجب العمل على تفادي حالات الوفاة، ومراعاة الظروف المحيطة، من ارتفاع درجات الحرارة، والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسرة المصرية البسيطة، التي تنتظر خروج أبنائها من الامتحانات لتفرح بهم بعد عام دراسي طويل وشاق، تحملت خلاله أعباء مالية، ودروسًا، وضغوطًا اقتصادية ونفسية كبيرة.
ولتحيا مصر دائمًا وأبدًا.



