الثلاثاء, 7 يوليو, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةرأىد أميرة المهدي تكتب| "جيم" السوبرماركت..

د أميرة المهدي تكتب| “جيم” السوبرماركت..

بين ممرات السوبر ماركت المزدحمة، وتزاحم الأرفف الملونة، تُنسج يومياً حكايات إنسانية صامتة لا يراها المتسوق العادي. لكن بالنسبة لعائلات أطفال التوحد و**ذوي الهمم**، تتحور هذه المساحة الاستهلاكية البسيطة لتصبح ساحة معركة، ومضمار جري، وفي أحيان أخرى.. مسرحاً لدراما نفسية معقدة تختبر حدود الصبر البشري.
تخيل أن تدخل مكاناً عاماً، فيتحول الأمر في ثوانٍ إلى سباق ركض سريع. طفل يندفع بغير وعي ببوصلة الخطر، يلقط عشرات الأشياء في ثوانٍ معدودة، وأب يحث خطاه وراءه، يتقاسم الأنفاس المتلاحقة مع نظرات المارة وتساؤلاتهم. هذا الركض اليومي المستمر، الذي يشبه “الجيم المجاني”، ليس مجرد مجهود بدني؛ إنه تجسيد حي لأبوة تمشي على حبل مشدود من الخوف والمسؤولية، مدفوعة ببوصلة الحب الصافي، وتتحمل تعب الجسد لتمحو هذا العناء كله كلمة حانية واحدة يهمس بها الطفل عندما يهدأ في نهاية المطاف.
لكن خلف هذه الرحلة الشاقة، تختبئ أحياناً حكايات أشد قسوة ووجعاً في عالم التوحد، وتحديداً مع اضطراب “البيكا” (Pica) – ذلك الاضطراب الحسي الذي يدفع الطفل للتعلق الشديد بنوع واحد فريد من الطعام ورفض ما سواه تماماً، أو محاولة تناول مواد غير غذائية. هنا، يتحول الطعام من مصدر للحياة إلى ساحة صراع مؤلمة داخل البيوت.
قد يظن بعض الآباء أن هذا الإصرار الغذائي مجرد “عناد” أو “دلال” يحتاج إلى كسر بالطرق التقليدية. وتلك هي المأساة؛ عندما يواجه الأب اضطراب التوحد بأساليب الحرمان القاسية، فيمنع عن طفله الطعام لأيام متواصلة أملاً في إجباره على تناول أصناف أخرى. المعركة هنا شرسة؛ فالجوع بالنسبة لطفل التوحد قد يكون أهون بكثير من ملمس أو رائحة طعام جديد يثير رُعبه الحسي. وعندما ينتهي هذا الضغط بانهيار جسدي وإغماء للطفل، تتبدد كل أوهام السيطرة، ويجد الأب نفسه يسارع بأخذ طفله المنهك إلى السوبرماركت قائلاً له: “اختر ما تريد”.
إن تربية طفل من ذوي الهمم ليست معركة فردية، وعجز الآباء وقلة حيلتهم أمام اضطرابات حسية معقدة يحتاج إلى مساندة حقيقية لا إلى لوم. إننا بحاجة ماسة إلى مؤسسات رعاية تمد يد العون للأسرة، وتعلمها كيف تفك شفرات هذا العالم الحسي دون اللجوء للعنف أو الحرمان غير المقصود الذي يدمي القلوب. كما نحتاج إلى مجتمع واعٍ، يفهم فيه المارة في الشارع وصاحب المتجر أن الأب الذي يركض وراء ابنه ليس مطارِداً، بل بطلٌ يحاول حماية قطعة من روحه.
التحية والتقدير لكل الأمهات والآباء الذين يركضون في “جيم” الحياة بلا توقف، والذين يحترقون حباً وخوفاً خلف الأبواب المغلقة. رفقاً بهؤلاء ورفقاً بأبنائهم، فالتوحد رحلة تعب.. لكنها تحتاج دائماً إلى صبر أيوب ولين القلوب لتصل السفينة إلى بر الأمان.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات