السبت, 30 مايو, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةرأىد. أميرة المهدي تكتب | دموع على عتبات المعجزة 

د. أميرة المهدي تكتب | دموع على عتبات المعجزة 

في الماضي، كنا نظن أن أقسى ما قد يواجهه الإنسان هو دموع غياب الأحبة أو وحشة الأيام، ولكن المفاجأة الكبرى والمريرة التي تكشفها لنا الأيام هي أن “الناس” أنفسهم في هذا الزمن أصبحوا أكثر وحشة وقسوة. ليس هناك ما هو أوجع من قلب بشر يرى في فرحك غصة، وفي انتصارك تهديداً لراحتهم النفسية.

تبدأ الحكاية قبل أكثر من سبعة عشر عاماً، حينما نزل تشخيص “التوحد” كالصاعقة. في تلك اللحظة التي كانت الأم فيها بأشد الحاجة إلى كتف تستند إليه، أو يد تطبطب على قلبها الخائف، التفتت حولها فلم تجد أحداً. انسحب الجميع في صمت مهين. انقطعت الزيارات، وجفت الاتصالات، وتحولت الأعياد والمناسبات السعيدة إلى سرادق عزاء خفي، حيث كان طفلي يُعامل كأنه “خطأ في الطبيعة” أو كائن غير مرغوب فيه. كان ينظر إليه المجتمع بنظرة شفقة ممزوجة بالنفور، وكأن التوحد ذنب اقترفناه!
> **سبعة عشر عاماً… هل يدرك أحدكم معنى هذا الرقم في حياة أمٍّ لطفل توحدي؟**
>
إنها ليست مجرد سنوات، بل هي دهور من الكفاح الصامت، والجهاد اليومي، والابتلاءات التي تكسر الظهر، والدموع التي سالت في عتمة الليل حيث لا يسمع الأنين إلا الله. سبعون عاماً من المحاولات لانتزاع نظرة عين التفتت يميناً ويساراً ولم تنظر إليّ، وملايين المحاولات لنطق كلمة واحدة تؤكد لي أنه يسمعني ويعيش معي في هذا العالم. كان طفلاً غائباً في غرفته المظلمة الخاصة، وحولنا جدران من قسوة البشر.
ولكن الله، الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً، لم يتركنا. تجلى كرمه وفضله، وتوج هذا الصبر الأسطوري بمعجزة اهتزت لها جوارحي: طفلي، الذي لم يكن ينظر أو يتكلم، تحدى التوحد، وتحدى خذلان البشر، واجتاز الثانوية العامة ليدخل **كلية الهندسة**.
كنا نظن أن هذا الانتصار سيهز القلوب القاسية، وأنهم سيأتون معتذرين أو مهنئين، لكن المفاجأة الأشد قسوة من التوحد نفسه كانت في عيونهم. لم يستطيعوا إخفاء سواد قلوبهم؛ رأيت في عيونهم حزناً غريباً، وانكساراً لأن ابني نال فرصة كأي طالب طبيعي! كأن لسان حالهم يقول: *”كيف يجرؤ هذا الطفل الذي نبذناه يوماً أن يصبح مهندساً؟”*
ووصلت القسوة ذروتها حينما أطلب منهم -بحسن نية الأم- أن يدعوا له في امتحاناته الصعبة، فإذا بالغمز واللمز والتهكم يملأ الوجوه: *”أنتِ عايشة الدور أوي كدا ليه؟ أمال لو كان طبيعي كنتِ عملتي إيه؟”*.
آه يا قسوة قلوبهم!
من في العالم كله يدخل ابنه كلية من كليات القمة ولا تطير روحه فرحاً ولا تسعه الدنيا؟ فما بالكم بأم حاربت غولاً اسمه التوحد؟ طفل لم يكن يملك نظرة ولا كلمة ولا إدراكاً، والآن يمسك بالقلم والمسطرة ليرسم مستقبله بيديه! أليس هذا مدعاة لأن تنحني القلوب إجلالاً وتذرف العيون دماً من الفرح والذهول؟
حينما يصبح نجاح المستضعفين غصة في حلق الآخرين، وحينما يستكثر البشر الفرحة على قلب أم دمرت سنوات عمرها لتبني رجلاً… لا يتبقى في الحلق إلا غصة، ولا يملك المظلوم إلا سلاح السماء:
**حسبي الله ونعم الوكيل… حسبي الله ونعم الوكيل في كل من استكثر علينا الفرح، وفي كل من آلمنا بنظرة أو كلمة، وعند الله تجتمع الخصوم.**

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات