هناك ثورات تُغيِّر خرائط السياسة، وأخرى تُعيد تشكيل وجدان الشعوب. وكانت ثورة الثالث والعشرين من يوليو واحدة من تلك اللحظات الفارقة التي لم تتوقف آثارها عند حدود التاريخ، بل امتدت إلى الثقافة والفنون والآداب، لتصنع لمصر قوةً ناعمةً أصبحت لغتها التي خاطبت بها العالم، وسفيرها الذي عبر الحدود دون جواز سفر.
ومن هذا المعنى، يفتح ملتقى الهناجر الثقافي أبوابه لأمسية تحمل عنوان «ثورة يوليو وقوة مصر الناعمة»، ضمن احتفالات وزارة الثقافة بذكرى الثورة، في السابعة والنصف من مساء السبت 18 يوليو الجاري، بمركز الهناجر للفنون، برئاسة الفنان شادي سرور، وينظمها قطاع المسرح برئاسة الأستاذ الدكتور أيمن الشيوي، بالتعاون مع مبادرة «الملهمات العربيات» برئاسة الأستاذة الدكتورة سوزان القليني.
وتجمع الأمسية نخبة من رموز الفكر والإبداع، يتقدمهم الأستاذ الدكتور خلف الميري أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس، والأستاذة الدكتورة منى الحديدي أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، والأديب الكبير يوسف القعيد، والدكتور أشرف عبد الرحمن أستاذ ورئيس قسم النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، والكاتب والناقد المسرحي محمد الروبي، والفنان التشكيلي والمؤرخ حسين نوح، والفنان والناقد التشكيلي أحمد الجنايني، في حوار يقرأ الثورة من زاوية مختلفة، ويستكشف كيف تحولت الثقافة المصرية إلى قوة قادرة على صناعة الوعي، وترسيخ الهوية، ومد جسور التواصل مع العالم.
وتدير اللقاء الناقدة الأدبية الدكتورة ناهد عبد الحميد، مؤسس ومدير ملتقى الهناجر الثقافي، التي جعلت من هذا المنبر مساحةً يلتقي فيها الفكر بالإبداع، ويتجاور فيها التاريخ مع الفن، ليظل الحوار الثقافي نافذة مفتوحة على المستقبل.
ولا تكتمل الحكاية إلا بالموسيقى… فالأغنية الوطنية كانت دومًا صوت الشعب، وذاكرة الوطن التي لا يطويها الزمن. ولهذا يختتم الملتقى فعالياته بباقة من أشهر الأغنيات الوطنية التي واكبت ثورة يوليو وخلدت بطولاتها، تقدمها فرقة «كورال هنغني» بقيادة المايسترو الدكتور صلاح مصطفى، لتعود الألحان شاهدة على زمن آمن بأن الفن رسالة، وأن الثقافة هي الحصن الذي يحفظ هوية الأمم، والقوة الناعمة التي تظل أكثر تأثيرًا من كل أشكال القوة الأخرى.
إنها أمسية لا تستدعي الماضي من باب الحنين، بل تستحضره لتؤكد أن مصر، التي أنجبت المبدعين والمفكرين والفنانين، ما زالت تملك من رصيدها الحضاري والثقافي ما يجعل قوتها الناعمة حاضرة، نابضة، وقادرة على إلهام الأجيال وصناعة المستقبل.




