إن قضية الكلاب الضالة باتت تمثل قنبلة بيئية في قلب الشارع المصري ففي المدن التي تحلم بالحياة، لا يكفي أن تُضاء الشوارع أو تُشيد المباني الحديثة، بل يجب أن يشعر الإنسان فيها بالأمان وهو يسير إلى عمله، ويطمئن على أطفاله وهم يذهبون إلى مدارسهم، ويعيش يومه دون خوف من خطرٍ مباغت يختبئ عند ناصية طريق أو في زقاقٍ مهمل فالأمان ليس مجرد كلمة تتردد في الخطابات، بل إحساس يومي يرافق المواطن حيثما كان.
غير أن هذا الإحساس يتآكل حين تتحول بعض الشوارع إلى ساحات قلق، ويصبح الخوف من الحيوانات الضالة هاجسًا يلاحق الناس في تفاصيل حياتهم البسيطة وبين صرخات ضحايا العقر، ومطالب المدافعين عن حقوق الحيوان، تبرز الحاجة إلى رؤية متوازنة تضع الإنسان والحيوان معًا داخل معادلة حضارية عادلة، تحفظ الحياة وتصون الكرامة.
إن الأمم تُقاس بقدرتها على إدارة تحدياتها لا بتجاهلها، ومواجهة هذه الظاهرة لم تعد ترفًا إداريًا أو قضية هامشية، بل أصبحت جزءًا من معركة أوسع من أجل بيئة آمنة وصحة عامة مستقرة وجودة حياة تليق بالمواطن المصري فحين يفقد الإنسان شعوره بالأمان في الشارع، يصبح الحديث عن التنمية ناقصًا، وتغدو الإنجازات بحاجة إلى استكمال أحد أهم أركانها: حماية الإنسان.
من هنا تأتي أهمية فتح هذا الملف بشجاعة وعقلانية، بعيدًا عن الانفعال أو الحلول المؤقتة، بحثًا عن طريق يحقق التوازن بين مقتضيات الأمن البيئي ومبادئ الرحمة والرفق بالحيوان. لأن الأوطان التي تحترم حياة مواطنيها لا تترك المخاطر تتفاقم حتى تتحول إلى أزمات.
والقضية لم تعد مجرد ظاهرة عابرة أو مشهد اعتاد عليه المواطنون، بل تحولت إلى تحدٍ يتعلق بالأمان البيئي والصحة العامة وجودة الحياة فمع كل حادثة عقر جديدة، يتجدد الجدل بين فريق يرى ضرورة حماية المواطنين من المخاطر المتزايدة، وفريق آخر يدافع عن حقوق الحيوان ويرفض أي إجراءات قد تتسبب في إيذائه. وبين الطرفين يبقى المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف، يتنقل وسط حالة من القلق والخوف المشروع على نفسه وأطفاله.
البعد الصحي لهذه الظاهرة أكثر خطورة مما يتصور البعض فحالات العقر لا تقتصر على الإصابات الجسدية فقط، بل تمتد إلى أعباء نفسية وصحية واقتصادية كبيرة، فضلًا عن الحاجة إلى توفير الأمصال والعلاجات الوقائية بصورة مستمرة. كما أن وجود تجمعات كبيرة من الحيوانات الضالة بالقرب من المناطق السكنية والمدارس والمستشفيات يمثل تحديًا حقيقيًا أمام جهود الدولة في تعزيز مفهوم الصحة العامة وتحقيق بيئة آمنة للمواطنين.
وفي المقابل، فإن التعامل مع الأزمة يجب أن يكون بعيدًا عن الحلول العشوائية أو المؤقتة. المطلوب هو استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على الحصر الدقيق للأعداد، والتوسع في برامج التعقيم والتطعيم، وإنشاء مراكز إيواء نموذجية، مع تشديد الرقابة على مصادر الغذاء المفتوحة ومناطق تراكم المخلفات التي تمثل البيئة المثالية لتكاثر هذه الحيوانات.
ومن بين الحلول التي تستحق الدراسة الجادة أيضًا فتح مسارات قانونية واقتصادية للاستفادة من الحيوانات القابلة للتبني أو الاقتناء وفقًا للمعايير الدولية المعمول بها، بما يسمح بتقليل الكثافات الموجودة في الشوارع والاستفادة الاقتصادية منها من خلال الشراكات مع الجهات والمنظمات والدول التي لديها احتياجات مشروعة ومقننة للحيوانات الأليفة، مع الالتزام الكامل بالضوابط البيطرية والاتفاقيات الدولية الخاصة برفق الحيوان وسلامته.
ويمكن أن تتضمن الخطة الزمنية المقترحة ثلاث مراحل رئيسية؛ تبدأ خلال الستة أشهر الأولى بحصر الأعداد وإنشاء قاعدة بيانات وطنية دقيقة، يليها خلال العامين التاليين تنفيذ برامج موسعة للتعقيم والتطعيم والإيواء وإعادة التوزيع وفق المعايير البيطرية، ثم الانتقال خلال السنوات الثلاث اللاحقة إلى مرحلة السيطرة الكاملة على معدلات التكاثر والوصول إلى انخفاض ملموس ومستدام في أعداد الحيوانات الضالة بالشوارع المصرية.
إن تحقيق الأمان البيئي لا يقتصر على زراعة الأشجار أو تحسين جودة الهواء فقط، بل يشمل أيضًا توفير شوارع آمنة يستطيع المواطن أن يسير فيها دون خوف من التعرض لهجوم أو إصابة. فحياة الإنسان وسلامته يجب أن تظل أولوية لا تقبل المساومة، خصوصًا عندما تتحمل الدولة سنويًا تكاليف ضخمة لمواجهة تداعيات هذه الظاهرة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي يجب أن نتوقف أمامها كثيرًا: ليس من المنطقي أن نخسر أرواحًا بشرية، أو ننفق ملايين الجنيهات لعلاج مشكلة يمكن التعامل معها مبكرًا بتخطيط علمي وإدارة رشيدة وتكلفة أقل كثيرًا. فسلامة الإنسان ليست رفاهية، والأمان البيئي ليس شعارًا، ومصر تستحق أن تكون أكثر أمانًا لمواطنيها.
لأنها ببساطة… مش مستهلة.



