
ترجمة: د. يسرا محمد مسعود
إن التقدم في العمر يثير القلق، وهذا الخوف يزداد غالبًا مع التقدم في السن. فخلف التغيرات الجسدية تختبئ مخاوف أكثر عمقًا: الخوف من فقدان الهوية، ومن مرور الوقت، أو حتى من نهاية الحياة. فكيف يمكن تهدئته؟
إن الخوف من العجز أو الشيخوخة (رهاب الجيراسكوفوبيا) يتجاوز التغيرات الجسدية، ويمس جوانب عميقة مثل الهوية، والاستقلالية، وصورة الذات، والخوف من الموت. كما يتأثر بتجارب الحياة والتصورات الفردية للشيخوخة. ويمكن أن يظهر هذا الخوف لدى الشباب والبالغين، وغالبًا ما يتفاقم خلال فترات التحول أو التوتر. ويصبح هذا الخوف مثيرًا للقلق عندما يغزو الحياة اليومية، ويشير حينها إلى احتمال الحاجة إلى استشارة مهنية.
إن تقبل الشيخوخة يعتمد على العلاقة التي تجمعنا بأنفسنا، وعلى القدرة على التكيف. فغالبًا ما يتعامل الأشخاص الذين طوروا مرونة نفسية وتغلبوا بالفعل على تحديات الحياة بصورة أفضل مع التغيرات المرتبطة بالعمر. والخوف من الشيخوخة أمر شائع، لكنه ـ على عكس ما نعتقد ـ لا يتعلق فقط بالتجاعيد أو الشعر الأبيض، كما توضح لنا ساندرين باريس، الأخصائية النفسية الإكلينيكية، بل يرتبط بأمور أكثر عمقًا. والخبر السار أن فهم مصدر هذا الخوف يُعد بالفعل خطوة أولى نحو ترويضه بصورة أفضل.
الجيراسكوفوبيا: لماذا نخاف من التقدم في العمر؟
إن الشيخوخة لا تقتصر فقط على التحولات الجسدية، بل هي تحول أعمق يمس الجسد، وكذلك المعالم النفسية وصورة الذات، كما تؤكد ساندرين باريس قائلة:
“إنها تعيد إلى السطح مخاوف قديمة، تكون أحيانًا مدفونة منذ سنوات”.
مخاوف متكررة .. ومشروعة
مع مرور العمر، تعود بعض المخاوف والقلق بصورة متكررة، مثل:
- الخوف من فقدان الاستقلالية.
- الخوف من عدم التعرف على الذات مجددًا.
- الخوف من فقدان الجاذبية أو عدم النفع.
- الخوف من الموت (رهاب الموت)، ومواجهة النهاية بصورة أكثر وضوحًا.
الجسد الذي يتغير: الصدمة الأولى
التجاعيد الأولى، وفقدان نضارة البشرة، والشعر الأبيض، والتعب المتكرر… فالجسد يتطور عبر السنوات، وأحيانًا بصورة سريعة، وهو ما قد يدهشنا أو حتى يزعزع استقرارنا النفسي.
وتوضح ساندرين باريس: “في مجتمع تُمنح فيه المظاهر قيمة كبيرة، يمكن أن تُعاش هذه التغيرات بصورة سيئة، إذ يشعر بعض الأشخاص بأنهم يفقدون قيمتهم”.
الوعي بمرور الوقت
إن الشيخوخة تعني أيضًا الوعي بفناء الزمن. فعندما نكون شبابًا، نشعر غالبًا أن كل شيء ممكن، وأن الوقت طويل وشبه لا نهائي. لكن مع التقدم في العمر، تتغير هذه العلاقة بالزمن.
- نصبح أكثر وعيًا بالسنوات التي تمر.
- بعض المشاريع تبدو أقل قابلية للتحقيق.
- الأولويات تتغير.
وتوضح ساندرين باريس، الأخصائية في علم النفس السريري:
“إن الشيء المخيف حقًا ليس العمر في حد ذاته، بل ما يمثله: مرور الوقت، وتقلص الاحتمالات، والوعي الواضح بمحدوديتنا”.
نظرة الآخرين والخوف من أن نصبح غير مرئيين
تلعب نظرة المجتمع دورًا مهمًا أيضًا. فالشيخوخة ما زالت ترتبط أحيانًا بعدم النفع، أو التبعية، أو التهميش.
وتوضح ساندرين باريس:
“يخشى العديد من المرضى أن يصبحوا غير مرئيين، وألا يُعتدّ بهم، وأن يُنسَوا. وقد يُعاش ذلك كشكل من أشكال التدهور الاجتماعي”.
خوف عالمي… لكنه يختلف من شخص لآخر
يكاد الخوف من الشيخوخة يكون شعورًا عالميًا، لكنه لا يأخذ الشكل نفسه لدى الجميع.
وتوضح الأخصائية النفسية:
“يعتمد الأمر على تجارب الحياة، وعلى ما تمثله الشيخوخة بالنسبة لكل شخص. فبالنسبة للبعض، يكمن القلق في الجسد، بينما يرتبط لدى آخرين بالخسائر التي تصاحب التقدم في العمر، ولدى كثيرين يكون الأمر مزيجًا من الاثنين”.
لماذا يكون هذا الخوف أقوى لدى كبار السن؟
“مع التقدم في السن، يصبح الخوف من الشيخوخة أكثر واقعية وملموسية. فبالنسبة لكبار السن، لم يعد الأمر مجرد توقع، بل أصبح تجربة معاشة. يتغير الجسد، وتنخفض الطاقة، وقد تضعف الصحة”، تقول ساندرين باريس.
ويضاف إلى ذلك:
- تكرار مشاعر الحداد والفقد.
- القيود الجسدية أو المعرفية.
- الانتقال إلى التقاعد وفقدان المكانة الاجتماعية.
وتحذر الأخصائية النفسية قائلة:
“هذه لم تعد مجرد مخاوف نظرية، بل حقائق معاشة، وهذا ما يجعل هذه المرحلة أكثر تعقيدًا من الناحية النفسية”.
الحلول: كيف نخفف القلق والمخاوف المرتبطة بالشيخوخة؟
بالنسبة لساندرين باريس، يبدأ الأمر بتحرك داخلي وتوسيع مصادر تقدير الذات.
وتنصح الأخصائية النفسية بعدم الاعتماد فقط على المظهر أو الأداء، بل بتسليط الضوء على أمور أخرى مثل:
- العلاقات الإنسانية.
- الإبداع.
- تجارب الحياة.
- الالتزامات والاهتمامات.
فالقيمة الإنسانية لا تختزل في الصورة الخارجية فقط.
تغيير النظرة إلى الشيخوخة
نحن بحاجة إلى الابتعاد عن النظرة السلبية المرتبطة بالعمر. فالشيخوخة تعني أيضًا تغير العلاقة مع الذات، ومع الآخرين، ومع مرور الوقت.
وتقول ساندرين باريس: “إن هذا التغيير في المنظور يمكن أن يخفف من المخاوف، فنحن نكتسب نضجًا أكبر، ونتعلم كيف نعرف أنفسنا بصورة أفضل، ونعيد ترتيب أولوياتنا”.
قبول بعض التحولات .. دون استسلام
إن التحدي لا يكمن في حب كل تجعيدة أو كل تغيير، بل في عدم اعتبار هذه التحولات انهيارًا للذات. ومن المهم ألا ننسى الأساسيات: الاستمرار في إبراز الذات وتقديرها، والحفاظ على الرغبة، وانتظار شيء من الحياة. فذلك غالبًا ما يسمح بالحفاظ على الزخم الداخلي.
وكما تشير ساندرين باريس: “الشيخوخة ليست مشكلة يجب حلها، بل حقيقة ينبغي ترويضها”.
وعندما يصبح هذا الخوف مفرطًا، يمكن العمل على تجاوزه من خلال استشارة مختص، من أجل تفكيك بعض المعتقدات السلبية المرتبطة بالعمر، واستعادة رؤية أكثر عدلًا وهدوءًا وواقعية للذات.
المصدر:


