
د. آية الهنداوي
ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح فبعضها يبدأ بنظرة حقد، أو كلمة تقليل، أو محاولة مستمرة لهدم شخص فقط لأنه ناجح.
ففي كل مجتمع نجد أشخاصًا لا يتألمون من فشلهم بقدر ما يتألمون من نجاح غيرهم، وكأن رؤية شخص يتقدم تفضح عجزهم الداخلي وتكشف كل ما حاولوا الهروب منه.
الناجح الحقيقي لا يستفز الأسوياء، بل يستفز أصحاب النفوس المليئة بالنقص. لأن الإنسان المتوازن يرى نجاح غيره دافعًا للتطور، بينما يرى الفاشل نجاح الآخرين إهانة شخصية له فيبدأ في الهجوم والتشويه، والتقليل، والسخرية، ليس لأنه يملك القوة، بل لأنه عاجز عن الوصول إلى ما وصل إليه غيره.
والحقيقة القاسية أن بعض الناس لا يريدون النجاح لأنفسهم بقدر ما يريدون ألا تنجح أنت. وهنا يتحول الفشل من حالة مؤقتة إلى عقلية مريضة، عقلية تعيش على مراقبة الآخرين وتتغذى على الكراهية، وتبرر عجزها بمحاولة إسقاط كل شخص ناجح.
ولهذا نرى دائمًا أن أكثر الناس هجومًا على المجتهدين هم الأقل إنجازًا. فالإنسان المشغول ببناء نفسه لا يملك الوقت لهدم غيره، أما الفارغ من الداخل فيبحث عن أي شخص مضيء ليحاول إطفاؤه، لأن الضوء يزعجه ويكشف ظلامه.
المؤلم أن بعض الحروب تأتي من أشخاص كانوا يومًا قريبين منك. لكن النجاح يفضح المعادن الحقيقية؛ فهناك من يفرح لك بصدق، وهناك من يبتسم أمامك بينما ينهار داخليًا لأنك تجاوزته. وهؤلاء لا يحاربونك لأنك أسأت إليهم، بل لأن وجودك وحده يذكرهم بكل ما فشلوا فيه.
والأخطر أن الفاشل غالبًا لا يعترف بفشله، لذلك يبحث دائمًا عن شماعة يعلق عليها سقوطه. مرة يتهم الظروف، ومرة يتهم الحظ، ومرة يهاجم الناجحين ويتهمهم بالتكبر أو التصنع أو الوصول بطرق ملتوية، فقط ليهرب من مواجهة الحقيقة أنه لم يبذل ما يكفي.
لكن التاريخ دائمًا ينصف أصحاب الجهد الحقيقي. فالضجيج يصنعه الحاقدون، أما الإنجاز فيصنعه الصامتون الذين يواصلون طريقهم دون الالتفات إلى المعارك الصغيرة.
لذلك لا تنشغل كثيرا بمن يحاربك، لأن نجاحك وحده أكبر استفزاز لهم، وأكبر دليل على أنهم توقفوا بينما واصلت أنت التقدم.
فالناجح يركز على هدفه .. أما الفاشل فيركز على الناجحين.
————————————-
د. آية الهنداوي – مدرس بكلية الآداب – جامعة المنصورة.



