الأربعاء, 8 يوليو, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةرأىد. أميرة المهدي تكتب| تصدعاتٌ في حَرَمِ السكينة

د. أميرة المهدي تكتب| تصدعاتٌ في حَرَمِ السكينة

تصدعاتٌ في حَرَمِ السكينة .. بين مكةَ والمدينة، حيث تذوبُ المسافات وتغتسلُ الأرواحُ بماءِ اليقين، تجدُ بعضُ القلوب نفسها في رحلةٍ شاقة، لا لوعورةِ الطريق، بل لثقلِ ما تحملهُ في الصدور. هي رحلةٌ كانت تُرسم في الخيال كجسرٍ نحو السماء، لكنها استُحيلت بمرارةِ الواقع ووجودٍ باهتٍ إلى غُربةٍ داخليةٍ تجعلُ من أوسع البقاع ضيقاً لا يُطاق. فمنذُ جمعةِ مكةَ حتى جمعةِ طيبةَ، والوقتُ ينسلُّ كرمالٍ من بين الأصابع، وهناك، حيثُ الطوافُ حول البيتِ يمنحُ الوجودَ معناه، كانت الروحُ تطوفُ حول خيباتِها الصامتة، لا تبكي، فقد جفت المآقي وتحجرت الدموع في مخابئها، لكنها تلوذُ بسقفِ غرفتها، تتخذهُ سماءً بديلةً لا نجوم فيها سوى شقوقٍ تشبهُ ندوبَ الروح، تستلقي هناك في مهمةٍ شاقة، لا تحاولُ فيها استعادةَ الفرح، بل تسعى فقط لحمايةِ ما تبقى من حُطامِها من الانهيارِ التام.
يا لشدةِ الوجد حين يفقد الإنسان لذةَ المناجاةِ بسببِ كدرٍ أفسدَ عليه صفوَ الروح، ونغّصَ عليه طهرَ اللحظة؛ ففي مكةَ كان الشوقُ غاراً، وفي المدينةِ صارَ الصمتُ مزاراً، تتنفسُ ببطءٍ شديد، كأنما تجرُّ الهواءَ من بئرٍ عميقة، وتحرسُ بقايا ثباتِها كمن يحرسُ رمقاً أخيراً، تُراقبُ مرورَ السحابِ الثقيلِ في أفقِها الخاص، أفكارٌ متزاحمة كالغيوم التي تأبى المطر، تملأُ المدى سواداً ولا تمنحُ الأرضَ قطرةَ راحة. وفي رحابِ الروضةِ الشريفة، وبينما يهرعُ الناسُ لبثِّ أشواقهم، تقفُ هيَ والكلماتُ غارقةٌ في حنجرتها، لا تجدُ ملاذاً سوى في التفويضِ المطلق، ترفعُ أمرها لمن يعلمُ السرَّ وأخفى، في نداءٍ صامتٍ يهزُّ أركانَ اليقين، وهو نداءُ كلِّ من ذهب يُشحنَ بالطمأنينة، فإذا بضيقِ الأحوالِ وجفاءِ المحيطِ يسرقُ منه لذةَ الاستمتاع بقدسيةِ المكان، ويلبسه رداءَ الكآبةِ في موطنِ المسرة.
يا أيها القلبُ الذي جاءَ يستجيرُ ببارئِهِ من وجعِ الدنيا، فأبت الدنيا إلا أن تُلاحقَهُ حتى في أقدسِ زواياها، اعلم أنَّ الله الذي جئتَ تطلبهُ في بيتهِ وفي مدينةِ نبيِّهِ، يراكَ حين تقوم، ويسمعُ تنهيدتكَ التي لم تخرج، فإنَّ انكساركَ في هذا المكان هو بحدِّ ذاتهِ صلاة، وصبركَ على الضيقِ الذي أحاطَ برحلتكَ هو جهادٌ خفيّ. وربما لم تشبعِ النفسُ من جوارِ الحرمين كما تمنت، وربما سُرقَ بريقُ الرحلةِ تحت وطأةِ الحزن، لكنَّ الأثرَ الذي تركهُ الوجعُ في قلبِكِ سيجبرهُ ربُّ الحرمين جبرًا ينسيكِ كيف تشققَ سقفُ قلبك حزناً، فاستودعي اللهَ هذهِ الأنفاسَ البطيئة، واتركي ذاك الحطام بين يدي مَن يعيدُ تشكيلَ القلوب، فالفجرُ لا بدَّ منبثقٌ من بين شقوقِ تلكَ الروحِ المتعبة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات