الأربعاء, 8 يوليو, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةرأىد. فيفيان أبوطالب تكتب| النوستالجيا ملاذ الأرواح، آلية دفاع ضد تسارع الزمن...

د. فيفيان أبوطالب تكتب| النوستالجيا ملاذ الأرواح، آلية دفاع ضد تسارع الزمن وحيلة القلب للبقاء

في عصرٍ فقد فيه الزمن صوته الإنساني، وصار يركض ككائنٍ جامح لا يلتفت إلى من يسقطون خلفه، تعلّمت الأرواح حيلة البقاء. لم تعد النوستالجيا ذكرى نلوّح لها بحنين، بل صارت غرفة سرّية داخل الذاكرة، نختبئ فيها حين يشتد صخب الحاضر وتضيق علينا أنفاس الأيام. هناك، حيث كان الوقت أبطأ، والقلوب أوضح، والمشاعر تعرف أسماءها دون ارتباك، نعيد ترميم ذواتنا المتشققة.

النوستالجيا في هذا العصر ليست رجوعًا إلى الوراء، بل توقّفًا متعمّدًا عن السقوط. هي يد خفية تمتد من الماضي، تمسك بأرواحنا قبل أن يبتلعها تسارع لا يرحم، وتهمس لنا: ما زلتَ أنت، لم يبتلعك الزمن بعد. وبين لحظة وأخرى، نرتّق ما بعثره الحاضر، ونستعير دفء زمنٍ قديم لنقاوم برودة واقعٍ يطلب منا أن نكون أسرع مما نحتمل، وأقسى مما نرغب.

هكذا تولد النوستالجيا… لا كحنينٍ باكٍ، بل كفعل نجاة، كفسحة حلم داخل واقعٍ مزدحم، نلوذ بها لنحافظ على ما تبقّى فينا إنسانيًا قبل أن نواصل السير.

نوستالجيا العصر الحديث تُعد آلية دفاع عصبي ضد تسارع الزمن. لم تعد الحنين إلى الماضي والحالة الوجدانية البريئة، بل تحوّلت إلى ميكانيزم دفاعي، أداة تحدّ من الارتباك العصبي أمام حاضر أصبح أسرع من قدرتنا على مسايرته أو فهمه. لم تعد النوستالجيا حنينًا لماضٍ جميل، بل وسيلة نستخدمها من أجل تدوير نسخة قديمة من ذواتنا، نلجأ إليها كمخدّر لما نحن فيه من قلق وجودي، ولمنع بناء ذكريات جديدة من حاضر نراه مؤلمًا بكل ما فيه من صراعات وأحداث وتغيرات وتحولات متلاحقة ولا متناهية، تفوق قدرتنا على فهم ما يحدث؟ ولماذا يحدث؟ وإلى متى سيظل يحدث؟

ما دفعنا، بل اضطررنا، أن نعود إلى زمن يشعرنا بالأمان. فالنوستالجيا الحالية ليست شوقًا للماضي، بل محاولة حثيثة لتجميد الزمن حين يعجز العقل عن الركض اللاإرادي والمواكبة اللاإرادية. نوستالجيا اليوم لم تعد تشبه حنين الآباء والأجداد ولا رومانسية الذكريات القديمة، بل أصبحت شعورًا مفاجئًا يهبط بلا مقدمات نتيجة إرهاق العقول والقلوب والأنفس، أجبرتنا أن نلوذ بزمن مضى كان ثابتًا، آمنًا، مفهومًا، عوضًا عن حاضر لم يترك لنا مساحة أو وقتًا لنقيم فيه.

حاضر باتت المشاعر والأحاسيس فيه مرتبكة؛ لم يعد الحزن يشفي ولا الفرح يوفي. وهنا تكمن الخطورة حين تتحول النوستالجيا من حنين للماضي وجسر عاطفي لإضفاء السعادة إلى ملاذ دائم يحول بيننا وبين حاضر لم نعد قادرين على الانخراط فيه والانتماء له. النوستالجيا ليست مرضًا، ولكنها إنذار، إشارة إلى أن الزمن والحاضر الذي نعيشه لم يعد إنساني الإيقاع؛ لأنه حين يعجز العقل عن المواكبة واللحاق بركب هذا الحاضر، لن يجد أمامه سوى الهروب من ذاك الصعود الجنوني المبهم، خوفًا من هبوط السقوط في العزلة والعزوف، وتصبح الحياة قيد جسد في الحاضر، وعقله يفكر وقلبه ينبض ونفسه جميعًا في الماضي.

لم نعد نشتاق إلى الماضي، بل أصبحنا نستخدمه كدرع نحتمي به ضد أسلحة الحاضر المتقدمة المتطورة التي صنعها الإنسان ظنًا منه أنها تحميه وتسعده، فإذا بها هي من تفتك به. وأصبحت الأيام تلاحق بعضها البعض، تتسابق وكأنها تريد أن تصل قبلنا، ما دفعنا أن نمد أيدينا إلى الوراء، لا لنمسك صورة قديمة أو نعود لنستمتع بمواقف وأحداث، بل لنمسك بأنفسنا التي كنا نعرفها، حتى لو كانت فيما مضى أبسط وأضعف، لكننا نكتفي بأننا كنا نعرفها.

النوستالجيا ليست دمعة على الخد، بل تنهيدة العقل عندما يشعر أن الحاضر بات ثقيلًا عليه. هي وقفة بين دفّتي الزمن، من قلب الحاضر، لنلملم بها أنفسنا المبعثرة ونذكّر أننّا لا نزال أحياء، موجودون على أرض هذا الحاضر، ونقول للأيام: تمهّلي، واتركي لنا الفرصة أن نعيشك ونشعر بك قبل أن تمرّي وتكوني مجرد أرقام تُضاف إلى أعمارنا علينا، وليست لنا ولا منا.

دعونا نعود لنستنشق أكسجين الماضي لنحيا به الحاضر.

نوستالجيا العصر الحديث تزورنا جميعًا، لكن هذا لا يعني أننا عالقون في الماضي، بل أننا محتاجون إلى حاضر آمن، أبطأ، أرحم، أصدق، أعدل، لنتمناه في المستقبل؛ حاضر نعود إليه، لحاضر لا يعلمه إلا الله، ونتمناه كله خيرًا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات