
ترجمة- د. يسرا محمد مسعود
منذ ثلاثون عاماً تطورت بشكل كبير نشاطات الشركات المتعددة الجنسيات فى سياق العولمة. إن هذه الشركات التى شكلت الذراع الرئيسى للعولمة الاقتصادية قد واجهت تداعيات عميقة على المجتمعات والدول. فقد ساعدت فى جلب سيل من الاستثمارات والتكنولوجيا وتوفير فرص عمل، والوصول للأسواق العالمية لبلاد الجنوب. وخلقت بعض التبعية الاقتصادية وحددت وأدارت لنفسها سياستها التنموية.
فخلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، فإن التحليلات المخصصة لتأثيرات الشركات المتعددة الجنسيات على دول الجنوب قد تضاعفت. وأوضحت كيفية عمل الشركات العابرة للحدود الوطنية وقد واجهت آثار سلبية. إن تفاقم الهوة بين الأغنياء والفقراء يشكل إحدى النتائج الأكثر أهمية. لقد أثرت على كل السياقات الاجتماعية وأدت إلى زيادة الفقر وتفاقم العديد من المشكلات الاجتماعية. وفى هذا السياق، فإن الشركات الكبرى قد بدأت فى الاهتمام فيما نسميه “المسئولية الاجتماعية” بهدف التعويض عن الآثار الضارة للعولمة الجامحة. ومع ذلك، فإن أغلب الأعمال التى تقام فى هذا الإطار تقع بصورة متزايدة ضمن الأعمال الخيرية عن استراتيجية حقيقية للتنمية وتهدف إلى الاستجابة للاحتياجات الأكثر ضرورة دون معالجة الأسباب الجذرية للمشاكل. وقد انتقد العديد من المراقبين هذا المفهوم المحدود للمسئولية الاجتماعية وفتحوا نقاش كبير حول الدور الاجتماعى للشركات.
فقد بدأت بعض هذه الشركات من المرور من مفهوم المساعدة إلى مفهوم التنمية. وقد تبنت الشركات الكبيرة فى بداية القرن الواحد والعشرين منهج جديد يُعرف باسم “المواطنة المؤسسية” والذى من خلالها تسهم الشركة أو مجموعة الشركات فى النهوض بالمواطنة داخل المجتمعات التى تمارس فيها أنشطتها. ويعتمد هذا المفهوم على فكرة رئيسية هى: إن النجاح الاقتصادى للشركات ترتبط بشكل وثيق بالتزامتها لصالح التنمية الاجتماعية، المدنية والبيئية. وفى إطار هذه الآفاق فإن الأهداف الـ 17 للتنمية المستدامة وأهدافها 169 أصبحت المؤشر الحقيقى الذى يسمح للشركات أن تقيس حجم إسهامتها فى تنمية المواطنين والمجتمعات والبيئة.
وفى مقال نُشر فى بداية شهر يونيو فى مجلة الشئون الخارجية بعنوان “انتهاء المساعدة الأجنبية ليست تعنى نهاية التنمية”، فيدافع مارك سوزمان المدير العام لمؤسسة بيل وميلندا جيتس عن منهج مؤسس على ما يسميه “استثمارات رئيسية للتنمية”؛ استثمارات ذكية منتجة ومبتكرة تهدف إلى تعظيم القدرات. فالتنمية وفقا له فى القرن الواحد والعشرين لا تتحقق فقط بزيادة النفقات العامة أو الرجوع المتزايد للدين، ولكن بفضل إعداد نظام استثمار ذكى مؤسس على المعرفة، والتكنولوجيا، والابتكار، ورأس المال البشرى. وأن الدول القادرة على تحويل الاستثمارات إلى أدوات إنتاج للمعرفة وخلق قيمة مضافة ستكون فى أفضل وضع للوصول للنمو المستدام وتعزيز سيادتها الاقتصادية. ولا تتوقف هذه الاستثمارات الذكية عند حل المشاكل الفورية، فهى تعزز أيضاً القدرات الإنتاجية، المؤسسية والبشرية التى تسمح للبلاد تولى مسئولية تنميتهم الخاصة. وبذلك، فإن التعليم والبحث العلمى والبنية التحتية والابتكار لا تشكل نفقات بسيطة تهدد الميزانية العامة، ولكن استثمارات على المدى الطويل فى رأس المال البشرى وفى قدرة الشركات على إنتاج ثروات ومعارف.
إن هذه الرؤية تدفع إلى إعادة تعريف العلاقة بين النمو الاقتصادى والتنمية البشرية. فوفق سوزمان، فلا يتعلق الأمر بمسارين مختلفين أو متنافسين ولكن بعدان لنفس العملية. فيسمح الاستثمار فى الصحة والتعليم ومقاومة الفقر ليس فقط فى الوصول لأهداف اجتماعية وأخلاقية ولكن أيضاً فى زيادة الإنتاجية، وتوسيع الأسواق وتعزيز قدرة الاقتصاديات فى النمو بصورة ذاتية. وتستمر سوزمان قائلة: “إنه من الضرورى المرور من فكر المساندة إلى فكر التمكين وتمويل الاحتياجات الفورية لتعزيز القدرات المستقبلية”.
إن العالم يمتلك القليل من الموارد مما كان عليه فى العقود الماضية، ولكن يمكنه القيام بصورة متزايدة فيما يتعلق بالتنمية إذا توجه بموارده نحو الاستثمار الذكى محفزاً التنمية البشرية ومدعماً المؤسسات ومحرراً للقدرات الابتكارية والإنتاج.
المصدر:


