الجمعة, 19 يونيو, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةالصحةد. نجلاء سلامة تكتب: الفضاء الرقمي بين الحقيقة والوهم .. والمحتوى الطبي...

د. نجلاء سلامة تكتب: الفضاء الرقمي بين الحقيقة والوهم .. والمحتوى الطبي وصحة المجتمع

في زمن أصبحت فيه المعلومة تصل إلى ملايين الأشخاص بضغطة زر، لم يعد الطبيب أو الصيدلي أو الباحث الصحي وحده من يتحدث في الشأن الطبي، بل أصبح الفضاء الرقمي مفتوحًا أمام الجميع؛ متخصصين وغير متخصصين، خبراء ومدعي خبرة، أصحاب علم وأصحاب شهرة. وبين هذا وذاك يقف المواطن حائرًا يبحث عن معلومة قد تنقذ صحته، لكنه أحيانًا يجد نفسه ضحية لمحتوى مضلل قد يقوده إلى المرض بدلًا من الوقاية منه.

لقد أحدثت منصات التواصل الاجتماعي ثورة في نشر المعرفة الصحية، وأسهمت في رفع الوعي بأهمية الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض، وشجعت ملايين الأشخاص على تبني أنماط حياة أكثر صحة. إلا أن الوجه الآخر لهذه الثورة الرقمية كشف عن تحديات خطيرة، أبرزها انتشار ما يمكن تسميته بـ”الفوضى الطبية الرقمية”، حيث تحولت بعض المنصات إلى ساحات لتبادل النصائح العلاجية غير الموثقة، والترويج لأدوية ومكملات غذائية مجهولة المصدر، وطرح أنظمة غذائية وعلاجية لا تستند إلى أي دليل علمي.

المشكلة لا تكمن فقط في المعلومات الخاطئة، بل في الثقة الكبيرة التي يمنحها الجمهور لبعض صناع المحتوى. فعدد المتابعين لا يعادل عدد سنوات الدراسة، وملايين المشاهدات لا تعني بالضرورة صحة المعلومة. ومع تزايد المنافسة على نسب المشاهدة، أصبح بعض مقدمي المحتوى يلجؤون إلى العناوين المثيرة والوعود المبالغ فيها من قبيل “علاج سحري”، أو “دواء يقضي على المرض نهائيًا”، أو “نظام غذائي يمنع جميع الأمراض”، وهي رسائل قد تدفع البعض إلى إيقاف العلاج أو تجاهل استشارة الطبيب.

ولا تقتصر الأضرار على الأفراد فقط، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله. فالمعلومات الطبية المضللة تضعف الثقة في المؤسسات الصحية، وتؤثر على الالتزام بالتطعيمات والعلاجات المعتمدة، وتزيد من انتشار الشائعات خلال الأزمات الصحية. كما أنها قد تؤدي إلى تأخر التشخيص الصحيح للأمراض، وارتفاع معدلات المضاعفات، وهدر الأموال على منتجات أو علاجات لا تحقق أي فائدة حقيقية.

ومن هنا تبرز أهمية الدور الحيوي لوزارة الصحة في مواجهة هذه الظاهرة. فالمعركة اليوم لم تعد فقط داخل المستشفيات والعيادات، بل أصبحت أيضًا على شاشات الهواتف المحمولة. ولذلك فإن التوعية الصحية التقليدية لم تعد كافية، بل يجب أن تتطور لتواكب طبيعة العصر الرقمي وسرعة انتشار المحتوى.

وتتمثل الخطوة الأولى في إنتاج محتوى صحي جذاب ومبسط يعتمد على الأدلة العلمية ويقدم بلغة يفهمها المواطن العادي. كما ينبغي تعزيز الحضور الرسمي للوزارة على منصات التواصل الاجتماعي، والرد السريع على الشائعات والمعلومات المغلوطة قبل أن تتحول إلى حقائق راسخة في أذهان الناس.

كذلك تبرز الحاجة إلى إنشاء مرصد وطني للمعلومات الصحية الرقمية يتولى متابعة المحتوى المتداول، ورصد الشائعات الصحية، وتحليل اتجاهات الرأي العام، وإصدار تصحيحات فورية للمعلومات غير الدقيقة. كما يجب تعزيز التعاون بين وزارة الصحة والهيئات التنظيمية والنقابات المهنية والمؤسسات الإعلامية لوضع معايير واضحة للمحتوى الطبي المنشور للجمهور.

ومن المقترحات المهمة أيضًا إطلاق برامج وطنية للتثقيف الصحي الرقمي داخل المدارس والجامعات وأماكن العمل، لتعليم المواطنين كيفية التحقق من المعلومات الصحية، والتمييز بين المصادر العلمية الموثوقة والمحتوى المضلل. فالمواطن الواعي هو خط الدفاع الأول ضد الشائعات الطبية.

كما ينبغي تشديد الرقابة على الإعلانات الصحية والدوائية المضللة، ومحاسبة كل من ينتحل صفة طبيب أو يقدم استشارات علاجية دون تأهيل أو ترخيص، حمايةً لصحة المواطنين وحفاظًا على هيبة المهن الطبية.

إن التكنولوجيا ليست عدوًا للصحة، بل يمكن أن تكون أحد أقوى أدوات دعمها إذا أُحسن استخدامها. لكن ترك المجال مفتوحًا أمام مدعي المعرفة والمتاجرين بآلام المرضى قد يحول هذه النعمة إلى خطر يهدد حياة الناس.

وفي النهاية، تبقى الصحة نعمة عظيمة من نعم الله علينا، وواجبنا جميعًا أن نحافظ عليها بالعلم والوعي والمسؤولية. فالحياة ليست مستهلة أن نخسرها بسبب نصيحة عابرة على منصة إلكترونية، أو ادعاء طبي بلا دليل، أو نظام غذائي يمنع الطعام ويحرم الجسم من احتياجاته دون مبرر صحي واضح. صحتنا أغلى من أن نجعلها رهينة لمن يتحدثون بثقة لا يستند إليها علم، وأثمن من أن نغامر بها خلف شهرة زائفة أو معلومة غير موثقة. فالحياة فعلًا… مش مستهلة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات