الخميس, 16 يوليو, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةسياحةأشرف عبدالعزيز فنان يواجه الزمن بالحفر على النحاس .. يحمي تراثًا يذبل...

أشرف عبدالعزيز فنان يواجه الزمن بالحفر على النحاس .. يحمي تراثًا يذبل ويكشف أزمات الحرف اليدوية في مصر

في قلب مصر .. حى الجمالية العتيق، حيث تختلط رائحة التاريخ بنبض الحاضر، وتتمازج أصوات الباعة مع صدى الحكايات القديمة، يولد الفن من رحم التراث، وتنبض المعادن بروح مصرية خالصة.

هناك، بين الأزقة الضيقة والدكاكين العتيقة، يقف الفنان المصري كحارسٍ لذاكرة الوطن، ينقش على النحاس حكايات لا تُكتب بالحبر، بل تُحفر بالروح والصبر.

ليس الحفر على المعادن مجرد حرفة، بل هو طقس إبداعي متوارث، يختزل قرونًا من الفن الشعبي الذي نشأ منذ عصور الفاطميين والمماليك، حين كانت القاهرة منارة للفنون اليدوية.

يمسك الفنان بأدواته البسيطة، لكنها في يده تتحول إلى مفاتيح سحرية، تُطلق العنان لزخارف هندسية دقيقة، وآيات من التراث الإسلامي، ورسوم تستلهم الحياة اليومية المصرية، من المقاهي الشعبية إلى المراكب في النيل.

تاريخ الفلكلور المصري ليس مجرد صفحات في كتاب، بل هو ذاكرة حية تمشي على الأرض.

هنا، تتجاور الحكايات: فنجان قهوة يُحكى عليه عن زمنٍ مضى، ومصباح نحاسي يروي قصة ألف ليلة وليلة، وصينية محفورة تعكس روح البيت المصري القديم.

كل قطعة فنية تحمل بصمة صانعها، وتفاصيل حياته، وكأنها رسالة صامتة من الماضي إلى الحاضر.

وما بين وهج النحاس ولمعانه، تنجذب أعين السائحين القادمين من كل أنحاء العالم يقفون مبهورين أمام تلك الأعمال التي لا تشبه غيرها، يلمسونها بحذر، كأنهم يخشون أن يوقظوا التاريخ النائم فيها يجدون في هذه التحف ما لا تمنحه المصانع الحديثة: روحًا، وصدقًا، ودفئًا إنسانيًا.

يشاهدون الفنان وهو يعمل، فيدركون أن ما أمامهم ليس مجرد منتج، بل قصة تُصنع أمام أعينهم، لحظة بلحظة.

هكذا يظل الفنان المصري، ليس مجرد صانعٍ للنحاس، بل شاعرًا ينقش أبياته على صفحات المعدن، وسفيرًا يحمل هوية مصر إلى العالم وبين دقات مطرقته، يتردد صدى حضارة لا تموت، وفنٍ لا يشيخ، وتراثٍ يزداد بريقًا كلما مر عليه الزمن.

alekhbary.com d5rpT173 alekhbary.com X3EsbRU2 alekhbary.com 5Ug35ZrA alekhbary.com EYrTzY9K alekhbary.com Mpo4A2V9 alekhbary.com UHhRlVr4

 

في أحد أركان حى الجمالية، تختبئ ورشة لا يلحظها العابرون لأول وهلة، لكنها في الحقيقة عالَم كامل ينبض بالإبداع. هناك، يجلس أشرف عبدالعزيز، منكفئًا على قطعة من النحاس، كأنه يحاورها لا ينقشها، ويُصغي إليها قبل أن يخط عليها أول ضربة من مطرقته.

ورشته ليست مجرد مكان للعمل، بل محراب للفن، تملؤه رائحة المعدن الساخن، وتحيط به أدوات تبدو بسيطة، لكنها في يده تتحول إلى امتداد لروحه. على الجدران تتراص أعماله، كل قطعة تحكي قصة، وكل نقش يحمل سرًا من أسرار الحرفة التي أتقنها عبر سنوات طويلة من الصبر والتجريب والتعلم.

بدأ أشرف رحلته من نقطة متواضعة، تلميذًا شغوفًا يراقب الحرفيين الكبار، ويختزن تفاصيل المهنة في ذاكرته، حتى صار واحدًا منهم، بل تجاوزهم بلمسته الخاصة. لم يكتفِ بتكرار الزخارف التقليدية، بل أعاد صياغتها، مزج بين روح التراث وابتكار الحاضر، فصارت أعماله مميزة، تُعرف من أول نظرة، كأنها تحمل توقيعه حتى دون أن يُكتب.

ومع مرور الوقت، لم تعد ورشته مجرد محطة في السوق، بل مقصدًا بحد ذاته. يأتيه السائحون من مختلف الجنسيات، لا ليشتروا فقط، بل ليشهدوا لحظة خلق الفن. يقفون أمامه مبهورين، يتابعون كيف تتحول قطعة نحاس صماء إلى تحفة تنبض بالحياة، فيدركون أن ما يشترونه ليس مجرد تذكار، بل تجربة كاملة، وقطعة من روح مصر.

صار اسم أشرف عبدالعزيز يتردد في أزقة الجمالية، يُذكر بإعجاب واحترام، كأحد أولئك الذين حافظوا على جوهر الحرفة، وأضافوا إليها من روحهم ما يجعلها باقية ومتجددة. وهكذا، بين دقات مطرقته ولمعان النحاس تحت يديه، يواصل رحلته، لا يصنع مجرد منتجات، بل يصنع اسمًا، ويكتب فصلاً جديدًا في كتاب الفن المصري الأصيل.

 

أشرف عبدالعزيز
أشرف عبدالعزيز

في قلب الجمالية، حيث تُولد الحكايات من بين أزقة التاريخ، التقينا بالحرفي المصري أشرف عبدالعزيز، الذي اختار أن يواصل رحلة النقش على المعادن، رغم ما واجهته هذه الحرفة من تحديات قاسية عبر السنوات.

وإلى نص الحوار:

في البداية.. كيف كانت نشأتك مع هذه الحرفة؟

هذه المهنة متوارثة عن والدي رحمه الله، فقد كان يعمل في تشغيل المعادن، وكنت أرافقه إلى الورشة خلال العطلات الصيفية. هناك تعلّمت أولى خطوات المهنة، وتعلّقت بها منذ الصغر، حتى أصبحت جزءًا من تكويني.

لكن مسارك المهني لم يبدأ بها مباشرة، أليس كذلك؟

بالفعل، بعد تخرجي التحقت بالعمل في الهيئة العامة للأرصاد الجوية، لكن حبي للحرفة ظل بداخلي، فقررت أن أعمل بشكل مستقل، وافتتحت ورشتي الخاصة لتصنيع منتجات الإضاءة المعدنية، خاصة من النحاس.

كيف أثرت الأحداث الكبرى على عملك؟

تأثرت كثيرًا، خاصة بعد أحداث عام 2011، التي أعادتنا خطوات إلى الخلف، ثم جاءت جائحة كورونا لتزيد الوضع صعوبة. كان لدي عدد من العمال، لكنني اضطررت للاستغناء عنهم تدريجيًا بسبب تراجع الطلب، حتى أصبحت أعمل بمفردي.

وماذا عن الخامات وسوق العمل الآن؟

المشكلة الكبرى حاليًا هي ارتفاع أسعار الخامات بشكل كبير، خصوصًا النحاس، مما جعل من الصعب على أي شخص شراء المنتج النهائي. هذا إلى جانب اختفاء العامل الماهر، فالحرفيون بدأوا يتركون المهنة بسبب قلة الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، واتجهوا إلى أعمال أخرى مثل العمل في الأمن أو قيادة التكاتك.

هل ترى أن الشباب مهتم بتعلم هذه الحرفة؟

للأسف، لا بالشكل الكافي. الشباب اليوم يبحث عن الربح السريع، وهذه الحرفة تحتاج إلى صبر ووقت طويل للتعلم والإتقان، وهو ما يجعل الإقبال عليها ضعيفًا.

من وجهة نظرك.. ما الحل لإنقاذ هذه الحرف اليدوية؟

الحل ببساطة هو التسويق. نحن لا نحتاج سوى جهة تتبنى تسويق منتجاتنا بشكل جيد. إذا تحقق ذلك، سنتمكن من زيادة الإنتاج، وبالتالي جذب الشباب لتعلم المهنة. فالعائد المادي هو العامل الأساسي.

وهل هناك مطالب أخرى تدعم استمرارية الحرفة؟

نعم، نحتاج إلى نوع من التسهيلات، مثل منحنا فترة سماح من الضرائب، حتى نستطيع الوقوف على أقدامنا مجددًا، وجعل المهنة جاذبة للشباب بدلًا من أن تكون طاردة لهم.

في الختام.. كيف ترى مستقبل هذه الحرفة؟

ما زال لدينا أمل، فهذه الحرفة جزء من تراثنا وهويتنا. إذا وجدنا الدعم الكافي، خاصة في التسويق والتدريب، يمكننا أن نعيد لها بريقها، ونُخرج جيلًا جديدًا يحمل هذا الفن ويطوره.

هكذا يختتم أشرف عبدالعزيز حديثه، بين أملٍ لا ينطفئ، وواقعٍ يفرض تحدياته، لكنه يظل متمسكًا بمطرقته، مؤمنًا أن في كل ضربة على النحاس، نبضًا جديدًا لحرفةٍ تستحق أن تبقى.

alekhbary.com 1BvOFaiU

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات