في بعض الحكايات، تقف الكلمات عاجزة أمام ما يرويه القدر. فبين ألسنة اللهب التي التهمت بيتًا بأكمله، وبين الدخان الذي سرق أحبابًا في لحظات، بقيت طفلة صغيرة اسمها مليكة تتشبث بالحياة، وكأن الله أراد أن يكتب لها فصلًا جديدًا بعد أن ظن الجميع أن النهاية قد حانت.
تستعيد سيدة الأعمال ورائدة العمل الخيري هبة السويدي هذا المشهد المؤلم بقولها: “دائمًا أقول للأطباء معنا إننا نأخذ بالأسباب، لكن الأمر كله لله، فقد تكون الإصابة بالغة جدًا، ثم يكتب الله لصاحبها النجاة.” وكانت مليكة خير شاهد على هذه الحقيقة.
الطفلة ذات الأعوام التسعة كانت إحدى ضحايا حريق العمرانية، ذلك الحريق الذي انتزع منها أسرتها، ووضعها أمام لحظة فاصلة بين الحياة والموت. لم تجد سبيلًا للنجاة سوى أن تقفز من الطابق السابع، لتسقط – بقدر الله – داخل صندوق قمامة ممتلئ بأكياس المخلفات، فيتحول ما بدا للجميع مكانًا لا قيمة له إلى وسادة نجاة، أنقذتها من كسور قاتلة وإصابات خطيرة في المخ.
لكن النجاة لم تكن نهاية المعاناة، بل بدايتها.
ترقد مليكة الآن داخل غرفة العناية المركزة بمستشفى أهل مصر، تخوض معركة جديدة كل يوم. تخضع لعمليات ترقيع للجلد بشكل دوري، بعدما التهمت الحروق الجزء السفلي من جسدها بالكامل. ولأنها كانت تمشي وسط ألسنة النيران هربًا من الموت، أصيبت أصابع قدميها الكبيرتان بغرغرينا، بينما يواصل الفريق الطبي سباقًا مع الزمن للحفاظ عليهما وتجنب بترهما إن أمكن.
ويبقى الجرح الأعمق هو ما لا تراه العيون.
فالطفلة التي فقدت في الحريق جدتها، وخالتها، وأطفال خالتها، لا تعرف حتى الآن الحقيقة كاملة. لا تزال تفتح عينيها كل يوم على أمل أن تجد وجوههم في انتظارها. لذلك يحيطها فريق التأهيل النفسي بالرعاية والاحتواء، محاولًا أن يخفف عنها ثقل الصدمة، ويمنحها مساحة آمنة للكلام واستعادة الثقة بالحياة.
وفي انتظار اليوم الذي تغادر فيه غرفة العناية إلى نور الحياة من جديد، تبقى مليكة قصة تُذكرنا بأن الأمل قد يولد من بين الرماد، وأن رحمة الله قد تأتي في أكثر اللحظات التي تبدو فيها النجاة مستحيلة.
خالص العزاء لوالدة مليكة ولكل أفراد أسرتها، والدعاء أن يربط الله على قلوبهم، وأن يمنّ على هذه الطفلة الصغيرة بالشفاء الكامل، ويجبر قلبها، ويكتب لها عمرًا جديدًا مليئًا بالصحة والسلام.




