زهير بن جمعة الغزال
حين تتبنى المملكة العربية السعودية قضية إنسانية، فإنها لا تكتفي بإطلاق المبادرات أو تطوير المنظومات، بل تؤسس لها على ثوابت الدين ومقاصد الشريعة التي تجعل حفظ النفس من أعظم الغايات ومن هذا المنطلق، جاء ترسيخ ثقافة التبرع بالأعضاء باعتبارها عملًا مشروعًا أقرته الفتاوى الشرعية المعتبرة، ورسالة رحمة تمتد من إنسان غادر الدنيا إلى آخر يستعيد بها نبض الحياة.
وهكذا يتحول الفقد إلى عطاء، والحزن إلى أمل، لتكتب المملكة نموذجًا حضاريًا يجمع بين هدي الإسلام وتقدم الطب، ويؤكد أن إنقاذ نفسٍ واحدة هو انتصار لقيم الرحمة والتكافل التي يقوم عليها المجتمع السعودي.
في هذا الإطار، جسّد متوفيان دماغيًا في مستشفى الملك فهد بالهفوف بالأحساء أسمى معاني الإيثار، بعدما أسهم التبرع بأعضائهما -بموافقة ذويهما- في منح سبعة مرضى فرصة جديدة للحياة، في مشهد إنساني يعكس نجاح المملكة في نشر ثقافة التبرع بالأعضاء، وترسيخ الوعي بأن هذا العمل النبيل يجمع بين المشروعية الشرعية والرسالة الإنسانية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في الارتقاء بجودة الحياة وتعزيز استدامة الرعاية الصحية.
كان متوفيان دماغيًا في مستشفى الملك فهد بالهفوف- أحد مكونات تجمع الأحساء الصحي- قد أسهما في إنقاذ حياة سبعة مستفيدين وإنهاء معاناتهم مع الفشل العضوي، بعد موافقة ذويهما على التبرع بالأعضاء، في موقف إنساني يجسد قيم العطاء والإيثار بالمجتمع السعودي، ويؤكد الأثر الكبير لبرامج التبرع بالأعضاء في منح المرضى فرصًا جديدة للحياة.
وأوضح تجمع الأحساء الصحي أن فريق وحدة التبرع بالأعضاء بمستشفى الملك فهد بالهفوف باشر التعامل مع الحالتين فور تأكيد الوفاة الدماغية وفق البروتوكول الوطني المعتمد، واستكمال جميع الإجراءات الطبية والنظامية ذات العلاقة، بالتنسيق مع المركز السعودي لزراعة الأعضاء.
وبيّن التجمع أن الكوادر المختصة حرصت على توعية ذوي المتوفيين بأهمية التبرع بالأعضاء وأثره الإنساني، حيث أبدت الأسرتان موافقتهما على التبرع، ما أسهم في إنقاذ عدد من المستفيدين الذين كانوا ينتظرون فرصة لإجراء عمليات الزراعة.
وفي التفاصيل، تمكن فريق طبي سعودي من استئصال كليتين وزراعتهما بنجاح، إذ زُرعت الكلية اليسرى لمريض يبلغ من العمر 82 عامًا، فيما زُرعت الكلية اليمنى لمريض يبلغ من العمر 71 عامًا، وتكللت العمليتان بالنجاح. فيما نجحت عمليات زراعة قلب لطفلة تبلغ من العمر 4 سنوات، وزراعة رئة لمريض يبلغ من العمر 51 عامًا، كما زُرع الكبد لمستفيد يبلغ من العمر 68 عامًا، وزُرعت الكلية اليسرى لمستفيد يبلغ من العمر 68 عامًا، والكلية اليمنى لمريض يبلغ من العمر 64 عامًا، وقد تكللت جميع عمليات الزراعة بالنجاح.
ويأتي هذا الإنجاز امتدادًا لجهود تجمع الأحساء الصحي في تعزيز ثقافة التبرع بالأعضاء ورفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية هذا العمل الإنساني، ضمن نموذج الرعاية الصحية السعودي لمسار التبرع بالأعضاء، بما يسهم في تحسين جودة الحياة للمرضى المصابين بالفشل العضوي النهائي.
من جانبه، أشاد المركز السعودي لزراعة الأعضاء بجهود تجمع الأحساء الصحي وتميزه في إدارة حالات التبرع بالأعضاء، مثمنًا تكامل عمل الفرق الطبية والتمريضية والفنية بمستشفى الملك فهد بالهفوف، بما يشمل وحدات العناية المركزة والأمراض العصبية والجراحة العصبية والقسطرة القلبية والأشعة والمختبرات والعمليات والأقسام المساندة.
وأكد المركز أن هذه الجهود تعكس التزام المنظومة الصحية بتخفيف معاناة المرضى ومنحهم أملًا جديدًا في الحياة، مشيرًا إلى أن هذا النجاح يجسد مستوى التكامل بين الجهات الصحية في المملكة، والدور الحيوي لبرامج التبرع بالأعضاء في تعزيز استدامة الخدمات الصحية، والإسهام في تحقيق مستهدفات برنامج تحول القطاع الصحي ورؤية السعودية 2030، بما يعزز جودة الحياة ويوفر فرصًا أكبر للعلاج.


