بقلم: د أميرة المهدي
في عمق التجربة الإنسانية، ثمة مساحات من الصمت لا يدرك كنهها إلا من خاض غمارها، وثمة “ألوان” لا نراها بوضوح إلا حين تُسلط عليها أضواء الفن الصادق. يأتي مسلسل اللون الأزرق من صياغة الكاتبة القديرة مريم نعوم، ليفتح نافذةً مواربة على عالم “طيف التوحد”، ليس كحالة طبية جافة، بل كمعركة يومية يخوضها أبطالٌ حقيقيون من لحم ودم بتفاصيل تلامس الجرح. منذ الحلقة الأولى، يدرك المشاهد أن العمل لم يُكتب من برج عاجي. فالمسلسل يتجاوز السطحية ليغوص في “التفاصيل الصغيرة” التي تشكل جحيم الأمهات وفردوسهن في آن واحد. نرى الأم وهي توثق انتصارها الصغير بنطق طفلها لكلمة “سمكة”، وهي فرحة قد يراها البعض عادية، لكنها لمربي طفل التوحد تعادل الفوز بجائزة كبرى.
يبرز العمل ببراعة مفهوم “الجداول البصرية” واستخدام الكروت لتنظيم يوم الطفل، وهي لفتة تربوية ذكية توضح كيف يتحول الروتين من قيد إلى طوق نجاة يمنع نوبات الغضب ويمنح الطفل شعوراً بالأمان في عالم يراه هو كفوضى عارمة من المثيرات.ثم يدخل معركة الدمج.. والواقع المرير حيث يضعنا المسلسل وجهاً لوجه أمام عتبات المدارس، حيث تُكسر قلوب الأمهات بكلمات “دبلوماسية” تخفي وراءها رفضاً قاطعاً للدمج. يصور العمل بمرارة كيف تضطر الأم لمواجهة استغلال المدارس الخاصة وتكاليف “المعلم الظل” (Shadow Teacher)، في حين تظل نصيحة “إخفاء التوحد” حاضرة كخيار مرّ للنجاة التعليمية. إن صرخة الأم في المسلسل: “لماذا ليس له حق في التعليم؟” هي صدى لآلاف الصرخات الحبيسة في صدور أهالي ذوي الهمم.
على الرغم من الإشادة بإتقان السرد، لا يخلو الأمر من وقفات نقدية هامة؛ فالتوحد ليس “مرضاً” يُرجى شفاؤه، بل هو تنوع عصبي واختلاف في الإدراك. كما أن تصوير طفل التوحد ككائن كئيب أو منعزل عاطفياً هو نمط يحتاج المسلسل لتجاوزه، فالأطفال في “الطيف” يضحكون، ويحبون، ويعبرون عن مشاعرهم بطرقهم الخاصة والفريدة.
أيضاً، كانت الملاحظة على “الطبقة المخملية” التي يعيش فيها أبطال العمل لافتة؛ فالمعاناة الحقيقية تشتد ضراوة حين يجتمع التحدي العصبي مع ضيق ذات اليد، وهي زاوية نأمل أن تلتفت إليها الدراما مستقبلاً لتنصف “الأسر المقاتلة” في القرى والنجوع.
إن “اللون الأزرق” ليس مجرد عمل درامي، بل هو دعوة للتصالح والتقبل. رسالتي لكل أم: لا تستسلمي. اشتغلي على “الرعاية الذاتية” و”الدمج الاجتماعي” في النوادي والمتنزهات قبل المدرسة. طفلك بطل حقيقي يبذل جهداً خرافياً لتعلم أبسط المهارات.
ختاماً، “اللون الأزرق” خطوة شجاعة على الطريق الصحيح، تدفعنا لمراجعة نظرتنا للمجتمع وللقانون، ولأنفسنا أولاً. فالتوحد ليس لغزاً يحتاج إلى حل، بل هو إنسان يحتاج إلى احتواء، وفرصة، وقلب يتسع للاختلاف.



