الجمعة, 17 يوليو, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةدراسات علميةهل يمكن التخلص من العادات السيئة؟ دراسة جديدة تحمل الإجابة

هل يمكن التخلص من العادات السيئة؟ دراسة جديدة تحمل الإجابة

لطالما اعتقد العلماء أن تكوين العادات عملية بطيئة تحتاج إلى فترات طويلة من التكرار، إلا أن دراسة علمية حديثة أجراها فريق بحثي من جامعة جونز هوبكنز قلبت هذا المفهوم رأسًا على عقب، بعدما كشفت أن التحول من السلوك الواعي إلى السلوك الاعتيادي قد يحدث بصورة مفاجئة، وأن منطقة محددة في الدماغ قد تكون المسؤولة عن هذا الانتقال السريع.
وتشير نتائج الدراسة، التي نُشرت في دورية Nature Communications، إلى أن هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام تطوير وسائل جديدة تساعد على تغيير العادات الراسخة، خاصة العادات غير الصحية أو غير المتكيفة، والتي يصعب على كثير من الأشخاص التخلص منها.
وتوضح الدراسة أن العديد من السلوكيات اليومية تبدأ في الأصل كخيارات واعية، مثل الاستجابة لرنين إشعارات الهاتف المحمول أو تناول وجبة خفيفة في نهاية اليوم، لكنها مع مرور الوقت تتحول إلى أفعال شبه تلقائية يؤديها الإنسان دون تفكير أو إدراك واعٍ.
نظرية استمرت أكثر من قرن
قال الباحث الرئيسي للدراسة، عالم الأعصاب كيشور كوتشيبوتلا، المتخصص في دراسة التعلم لدى البشر والحيوانات، إن الفكرة السائدة منذ أكثر من مئة عام تقوم على أن العادات تتشكل من خلال التعزيز التدريجي والتكرار المستمر.
وأوضح أن النظرية التقليدية تفترض أنه مع تكرار السلوك مرات كافية، يدرك الدماغ تدريجيًا أنه لم يعد بحاجة إلى التفكير في هذا الفعل، فيتحول إلى سلوك تلقائي.
وأضاف: «لأكثر من مئة عام، سادت نظرية تكوين العادات القائمة على التعزيز التدريجي والتكرار، لكن السبب وراء اعتبارها عملية تدريجية يعود في الأساس إلى الطريقة التي كنا ندرس بها هذه الظاهرة».
كيف كانت تُدرس العادات؟
اعتمدت الدراسات السابقة على استخدام المكافآت لتحفيز الحيوانات على تعلم مهمة معينة، وبعد أن تتقن الحيوانات أداء المهمة، يمنحها الباحثون إمكانية الوصول الحر إلى المكافأة حتى تصل إلى مرحلة الشبع.
وعند إعادة اختبار الحيوانات، يتوقف الحيوان الذي يتحرك بدافع تحقيق هدف معين عن أداء المهمة لأنه لم يعد بحاجة إلى المكافأة، بينما يستمر الحيوان الذي تحول سلوكه إلى عادة في تنفيذ المهمة تلقائيًا، حتى في غياب الحاجة الفعلية إلى المكافأة.
إلا أن هذه الطريقة التقليدية كانت تعتمد على إجراء الاختبارات في نقاط زمنية متباعدة، مثل بداية التعلم ونهايته، دون القدرة على مراقبة لحظة التحول نفسها في الوقت الفعلي، وهو ما دفع العلماء إلى افتراض أن تكوين العادات يحدث بصورة تدريجية.
طريقة جديدة تحاكي الحياة اليومية
وللتغلب على هذه المشكلة، ابتكر فريق جامعة جونز هوبكنز أسلوبًا جديدًا أكثر قربًا من سلوك الإنسان في الحياة اليومية.
ويشرح كوتشيبوتلا الفكرة قائلًا إن الأشخاص لا يشربون الماء دائمًا لأنهم يشعرون بالعطش، بل قد يختارون الماء الفوار أو مشروبًا معينًا لأنه أكثر جاذبية بالنسبة لهم، موضحًا أن الدافع في هذه الحالة لا يكون الحاجة البيولوجية فقط، وإنما تفضيل المذاق.
واستنادًا إلى هذا المفهوم، صمم الباحثون تجربة مختلفة مع الفئران.
تجربة كشفت لحظة التحول
أتاحت التجربة للفئران الحصول بصورة مستمرة على ماء حمضي داخل الأقفاص، وهو ما ضمن عدم شعورها بالعطش حتى إذا لم يكن طعم الماء مستساغًا بالنسبة لها.
وفي الوقت نفسه، كانت الفئران تحصل على الماء الذي تفضله عندما تستجيب لإشارة صوتية محددة.
ولأن الحيوانات لم تكن تعاني من العطش، فقد كانت تستجيب للإشارة الصوتية في بعض الأحيان وتتجاهلها في أحيان أخرى، وهو ما أثبت للباحثين أن سلوكها في البداية كان موجهًا نحو هدف محدد، إذ كانت تستجيب فقط عندما ترغب بالفعل في الحصول على الماء المفضل.
لكن المفاجأة حدثت في لحظة معينة، عندما تغير السلوك بصورة مفاجئة، فأصبحت الفئران تستجيب للإشارة الصوتية باستمرار، حتى عندما لم تكن ترغب في الحصول على الماء.
وأكد الباحثون أن هذا التحول لم يكن تدريجيًا، بل بدا كما لو أن شخصًا ضغط على زر داخل الدماغ، لينتقل السلوك مباشرة من كونه سلوكًا هادفًا إلى عادة تلقائية.
إعادة تنظيم سلوكي سريعة
وقالت الباحثة شارلين مور، الباحثة الرئيسية بقسم علم النفس وعلوم الدماغ في جامعة جونز هوبكنز، إن أكثر ما أثار دهشة الفريق البحثي هو أن هذا التحول لم يصاحبه أي تغيير في ظروف التجربة.
وأضافت أن الحيوانات غيرت استراتيجيتها السلوكية بالكامل من تجربة إلى أخرى دون أي تدخل من الباحثين، مؤكدة أن هذا النوع من إعادة التنظيم السلوكي السريعة نادر للغاية.
وأوضحت أن تسجيل النشاط العصبي لأدمغة الفئران كشف أيضًا عن منطقة محددة في الدماغ يُحتمل أن تكون مسؤولة عن هذا التغير المفاجئ في السلوك.
أما كوتشيبوتلا فأكد أن سرعة حدوث هذا التحول تشير بقوة إلى وجود آلية تحكم عصبية مسؤولة عن الانتقال بين السلوك الموجه نحو هدف والسلوك الاعتيادي.
هل يمكن التخلص من العادات السيئة؟
ولم تتوقف نتائج الدراسة عند هذا الحد، إذ لاحظ الباحثون أن بعض الفئران عادت مرة أخرى إلى السلوك الموجه نحو الهدف بعد أن أمضت فترة طويلة في أداء السلوك بصورة اعتيادية.
وترى شارلين مور أن هذه الملاحظة تؤكد أهمية الطريقة الجديدة التي استخدمها الفريق البحثي، لأنها كشفت جوانب من السلوك كانت مخفية في الدراسات التقليدية التي اعتمدت على تحفيز الحيوانات بصورة مفرطة.
وقالت إن تقليل مستوى التحفيز أتاح للباحثين رؤية التغيرات السلوكية الحقيقية بصورة أوضح، وهو ما لم يكن ممكنًا في التجارب السابقة.
آفاق جديدة لفهم الدماغ
ويعتقد الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يغير الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى تكوين العادات داخل الدماغ، كما قد يساهم مستقبلًا في تطوير استراتيجيات علاجية تستهدف العادات السلبية مثل الإفراط في تناول الطعام أو التدخين أو غيرها من السلوكيات غير المتكيفة.
وأكد كوتشيبوتلا أن العادات تلعب دورًا مهمًا في الحياة اليومية، لأنها توفر على الدماغ الجهد الذهني وتسمح له بالتركيز على مهام أكثر أهمية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن بعض العادات قد تصبح ضارة عندما تتحول إلى سلوكيات غير متكيفة.
وأضاف أن وجود ما يشبه “عامل تحكم” داخل الدماغ قد يمنح العلماء فرصة لتطوير طرق تساعد على إعادة توجيه هذه العادات وتحويلها مرة أخرى إلى سلوكيات واعية وموجهة نحو أهداف محددة.
واختتم الباحث تصريحاته بالتأكيد على أن أهم ما توصلت إليه الدراسة هو أن العادات ليست ثابتة إلى الأبد، وأن العادات السيئة ربما لا تكون مصيرًا حتميًا، بل يمكن تغييرها إذا أمكن فهم الآليات العصبية التي تتحكم في تكوينها واستمرارها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات