
ترجمة: د. يسرا محمد مسعود
مصطلح “مفترق طرق”، يعنى بصورة كاملة الموقف الاقتصادى، والسياسى، والاجتماعى، الذى تمر به مصر. فبالرغم من أن هذه الصياغة اليوم مستهلكة، فهى تبقى على وجه الخصوص مناسبة للسياق المحلى. ومن ناحية أخرى ، فإن الظروف تتلاقى، وتجعل من اتخاذ القرارات الحاسمة والعاجلة أمراً لا غنى عنه، الأمر الذي سيكون له تأثير كبير على مستقبل واستقرار البلاد.
هذا المصطلح ليس له علاقة بحقيقة أننا فى بداية عام جديد، وفى ظل برلمان تم تشكيله للتو أو أن الحكومة من المقرر أن يتم تشكيلها قريبًا. فإن مفترق الطرق الذى نواجهه ينتج على الأحرى من ترابط لعدد من العوامل ومن التحديات التي وصلت إلى عتبة حرجة جديدة خلال العام الماضي.
على الصعيد الاقتصادى ، فإن الدولة قد شهدت بعض الاستقرار المالى ، النقدى والبنكى . ومع ذلك ، فإن هذا الاستقرار قد صاحب تكلفة اجتماعية مرتفعة وتضخم قوى كان على الشعب أن يتحمله . ولكن ، وإذا كان الإطار الاقتصادى الشامل الحالى يقدم اليوم فرصة للنمو والمتابعة المحتملة ولصالح المواطنين ، فإن هذا التحسن لن ينتج بصورة آلية، وقد لا يتحقق على الإطلاق ، إذا لم تتبنى الدولة برنامج اصلاحات هيكلية عميقة تهدف لتحفيز الاستثمار ، والإنتاج والعمل والصادرات ونتيجة لذلك زيادة المرتبات ، والإيرادات الضريبية والمصاريف العامة.
فلنذهب لتبنى هذا الإصلاح الذى طال انتظاره وفتح الشرايين المسدودة للاقتصاد أو أن نظل مقتنعين أن الأزمة هى خلفنا ، مع اتباع نفس المسار؟
وعلى الصعيد السياسى ، فإن الفوضى التى أحاطت تشكيل البرلمان قد سلطت الضوء على مدى الفراغ السياسى الذى نعمل فيه. إن مفترق الطرق الذى نواجهه يتضمن الاختيار بين جهة إصلاح القوانين المعيبة التى تحكم الأحزاب، والانتخابات ، والإعلام الخاضع لضغوطات ، وأنشطة جامعية محدودة وتشريعات جنائية تهدد الحريات الدستورية ومن جانب آخر ، تبنى توافق الآراء لبرنامج إصلاحى قادر على أن يعيد إعطاء الحياة للنشاط السياسى والحزبى وكذلك الدعوى العامة لخدمة المصلحة الوطنية، والاستقرار ، والتماسك الداخلى للبلاد.
وعلى الصعيد الاجتماعى ، نحن نجد أنفسنا على حافة فجوة مجتمعية تسببت بعد مساواة صارخة ، ليس فقط فيما يتعلق بالعوائد والثروات ولكن أيضاً من حيث الثقافة والتعليم وإتاحة الفرص للوصول للخدمات. نحن علينا أن نختار بين تنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية التى تهدف إلى بناء نسيج اجتماعى متماسك وخلق مساحات ومصالح مشتركة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة أو بناء جدران وحواجز جديدة، حقيقية أو رمزية، تغذي العزلة والانقسام، بحجة توفير الحماية لمن يعيشون خلفها.
ويجب إضافة أن هذه التحديات تندرج فى سياق إقليمى ودولى غير مستقر وخطير للغاية . ومثل هذه البيئة، فإن الوحدة والتماسك المجتمعى واستقرار الاقتصاد ، فإن مصداقية المؤسسات الدستورية واستقلال الإرادة الوطنية تشكل الأسوار الحقيقية التي تواجه هذه البحار الهائجة والأمواج المتكسرة. لذلك نحن بالفعل على مفترق طرق . ولا بد من اتخاذ خيار عاجل: إما اتباع السياسات التي قادتنا إلى أزمات اقتصادية، وزادت من حدة الانقسامات الاجتماعية، وساهمت في عزلة الأجيال الشابة، أو استخلاص الدروس من الماضي وأخذ زمام المبادرة لإجراء إصلاح وطني شامل، على كافة المستويات المذكورة.
المصدر:
*خبير اقتصادي ومحامي ونائب رئيس وزراء سابق



