زهير بن جمعة الغزال
في سماءٍ لا تكفّ عن إدهاشنا، يترقّب الفلكيون وهواة الرصد حول العالم حدثًا نادرًا يحمل بين طياته مزيجًا من الدهشة والعلم، حيث يقف نجم الشعلة T CrB على أعتاب انفجار مرتقب قد يحوّل صمته الطويل إلى ومضة كونية لافتة. هذا النجم، القابع في كوكبة التاج الشمالي، لا يهدد الأرض ولا يدمّر نفسه، لكنه يعد بظاهرة فلكية استثنائية تعيد تسليط الضوء على أسرار النجوم المتغيرة والأنظمة الثنائية. وبين الترقب العلمي والحسابات الفلكية الدقيقة، يتحول T CrB إلى حديث السماء، وفرصة نادرة لمتابعة تفاعل نووي سطحي يُكتب في سجل الكون بلحظة خاطفة من الضوء.
وقد أوضح المهندس . ماجد أبو زاهرة أن الجميع حول العالم يترقبون حدثاً فلكياً نادراً يتمثل في انفجار المستعر المتكرر T التاج الشمالي (T CrB) المعروف باسم نجم “الشعلة” وهو نظام نجمي ثنائي يبعد عن الأرض نحو 3000 سنة ضوئية ويعد من أشهر النجوم المتغيرة المتكررة التي تشهد انفجارات نووية سطحية على فترات زمنية طويلة.
ومن المهم التأكيد علمياً أن T CrB ليس مستعراً أعظماً بل ينتمي إلى فئة المستعرات المتكررة وهي ظواهر فلكية تحدث في أنظمة ثنائية تضم قزماً أبيض ونجمًا مرافقاً حيث لا يؤدي الانفجار إلى تدمير أي من النجمين، بل يقتصر على اندلاع نووي سطحي أقل عنفاً وسطوعاً من المستعر الأعظم مع بقائه حدثاً مهماً للدراسة والرصد.
حالياً تشير أحدث بيانات الرصد إلى أن سطوع النجم يبلغ نحو القدر الظاهري 9.8 حتى أوائل يناير 2026 وهو ما يزال غير مرئي بالعين المجردة إلا أن الانفجار المرتقب قد يرفع سطوعه فجأة إلى حدود القدر 2–3 وهو مستوى قد يجعله مرئياً بالعين المجردة من مواقع مظلمة وقريباً في لمعانه من نجم القطب الشمالي مع بقاء المنظار أو التلسكوب الوسيلة الأفضل لمتابعة تفاصيل الحدث بدقة علمية.
ولا يزال التوقيت الدقيق لانفجار T CrB غير مؤكد إذ لا يمكن التنبؤ بيوم محدد مسبقاً غير أن التوقعات الحالية تستند إلى تحليل السجل التاريخي لانفجاري عامي 1866 و1946 اللذين يفصل بينهما نحو 80 عاماً. وتشير نماذج عالم الفلك جان شنايدر من مرصد باريس إلى أن تلك الانفجارات ارتبطت بمضاعفات الدورة المدارية للنظام الثنائي البالغة نحو 227 يوماً، ما أتاح اقتراح عدة نوافذ زمنية محتملة للانفجار القادم.
وبما أننا تجاوزنا تاريخ 10 نوفمبر 2025 (أحد لتواريخ المتوقعه) دون حدوث الانفجار فإن الاهتمام العلمي ينصب حالياً على نافذتين رئيسيتين متبقيتين هما 25 يونيو 2026 و 8 فبراير 2027 مع التأكيد على أن هذه التواريخ تظل تقديرية وغير مضمونة.
ويقع النجم في كوكبة التاج الشمالي وهي كوكبة صغيرة في السماء الشمالية ويتوقع عند الانفجار أن يظهر بالقرب من نجم ألفيكا ألمع نجوم الكوكبة،كما يسهل تحديد موقعه للرصد البصري.
ويتكون نظام T CrB من نجم عملاق أحمر من النوع M3III وقزم أبيض، حيث تنتقل المادة من العملاق الأحمر إلى القزم الأبيض بفعل الجاذبية وتتراكم على سطحه حتى تصل إلى حد حرج يؤدي إلى اندلاع تفاعلات نووية سطحية مفاجئة وهو ما يميز المستعرات المتكررة عن المستعرات العظمى التي تنتهي بتدمير النجم بالكامل.
ولا يشكل هذا الحدث أي خطر على الأرض فالمسافة الشاسعة التي تفصلنا عن النجم كفيلة بتبديد أي إشعاع أو مادة ناتجة عن الانفجار كما أن الظاهرة تقتصر على زيادة في السطوع الضوئي فقط دون انبعاث جسيمات خطرة باتجاه كوكبنا ما يجعل متابعة الحدث آمنة تماماً.
ويمثل المستعر المتكرر T CrB فرصة علمية نادرة لدراسة تطور الأنظمة الثنائية وآليات التراكم النووي على الأقزام البيضاء ويتيح متابعة ظاهرة ديناميكية حية تسهم في تعميق فهمنا لطبيعة النجوم المتغيرة وسلوكها وتجعل من رصد هذا الحدث تجربة علمية مميزة تعزز شغف استكشاف الكون.



