بين فوضى المنصات الإليكترونية وتطاول أقزام الشهرة على عمالقة الفن تاهت القناعات النبيلة فقد عشنا قبلا في زمنٍ كان الفن فيه رسالةً سامية، تُصاغ بالكلمة الراقية واللحن النبيل، وتُقدَّم باحترامٍ يليق بوجدان الشعوب وذاكرتها، كبر العمالقة وبقيت أسماؤهم منقوشة في سجل الخلود. غير أنّ المشهد اليوم يشهد مفارقة موجعة؛ إذ يعلو ضجيج أقزامٍ يظنون أن الشهرة تُغني عن القيمة، وأن الضوء كافٍ ليصنع تاريخًا. وبين أصالة الأمس وارتباك الحاضر، يقف الفن متسائلًا: كيف تجرأ من لم يتعلم الوقوف على خشبة الاحترام أن يتطاول على قاماتٍ صاغت وجدان الأمة، وجعلت من الفن خُلُقًا قبل أن يكون مهنة؟
هؤلاء الأأقزام الذين يتطاولون على العمالقة في الأونة الأخيرة يمثلون ظاهرة تسيء إلى الفن والفنانين أصحاب التاريخ العريق والمشرّف والحافل بالجوائز، الذين أضيئت أسماؤهم بحروف من النور، وهم أيضًا أصحاب الرقيّ والذوق الرفيع في اختيار ما يقدّمونه لجمهورهم، ويعرفون جيدًا كيف يحترمون فنهم وجمهورهم.
فإنني أتحدث عن ظاهرة غريبة جدًا لم تحدث من قبل بهذه الفجاجة، ولم نسمع عنها في زمن الفن الجميل في القرن الماضي، ألا وهي ظاهرة عدم الانضباط وعدم الاحترام لتاريخ بعض الفنانين.
وللأسف، فإن من يمارسون هذه الظاهرة هم من الجيل الجديد الذي يُطلق عليه الجيل العصري والمحظوظ، وهي تسميات لا يستحقونها، وغيرها من المسميات الكثيرة. فبعضهم محسوب على الفن والفنانين، ولا يدركون كيف تكون شخصية الفنان الحقيقية؛ فالفنان قبل أي مسمى أو لقب هو إنسان، أما الإنسان الفنان فهو إنسان غير عادي، بمعنى أن كل شيء يصدر عنه يصبح محسوبًا، فهو قدوة «إما له أو عليه».
فنرى من لا يجيد التحدث بشكل رزين مع الجمهور أو مع الشخصيات المهمة، ولديه من الهيافة والسطحية ما يكفي ويفيض.



