
خالد حسن النقيب
تتسارع التحوّلات وتتقاطع الثقافات على مفترق طرقٍ حادّ بين الفهم وسوء الفهم ما يحتم الحاجة الماسّة إلى خطابٍ عاقل يُعيد للإنسان إنسانيته، وللثقافات قدرتها على الحوار لا الصدام.
من هنا، يأتي الحديث عن صورة العرب وحوار الثقافات بوصفه سؤالًا حضاريًا مفتوحًا، لا يبحث فقط عن تصحيح صورةٍ أو تفنيد خطاب، بل يسعى إلى استعادة جوهر الرسالة العربية التي قامت على المعرفة، والانفتاح، وبناء الجسور بين الأمم ففي عالمٍ باتت فيه الصورة تختصر الحقيقة، يصبح الحوار ضرورة أخلاقية وفكرية، ونافذة أمل تُطل منها الشعوب على مستقبل أكثر عدلًا وتفاهمًا وتعايشًا وتتلاحق الصور بين عدسةٍ قد تكون ظالمة وخطابٍ مبتور، يقف العربيّ على حافة السؤال الكبير: كيف نُرى؟ وكيف نُحاوِر؟ كأنّ الحضارات أمواجٌ متقابلة في بحرٍ واحد؛ إمّا أن تتلاقى فتُنشئ أفقًا جديدًا، أو تتصادم فتغرق في ضباب العداء وسوء الفهم.
من بين هذا الضجيج الكوني، ينهض الحوار بوصفه جسرًا من نور، تعبر عليه الثقافات لا لتتنازل عن هويتها، بل لتتعرف إلى ذاتها في مرآة الآخر.
هنا، لا تكون صورة العرب حكايةً تُروى، بل ذاكرةً حيّة تنبض بتاريخٍ عريق، ووجدانٍ تشكّل على قيم الحكمة والعدل والجمال، ورسالةٍ إنسانية لم تعرف الانغلاق يومًا.
إنّه نداءٌ مفتوح إلى العالم، بأن الثقافة ليست ساحة صراع، بل مساحة لقاء، وأن الكلمة حين تُقال بصدق، تستطيع أن تُرمّم ما هدمته الأحكام المسبقة، وأن تزرع في دروب المستقبل بذور تفاهمٍ يُنقذ الإنسان من غربته عن الإنسان.

من هذا المنطلق شهدت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية انعقاد أعمال المؤتمر الفكري العربي الموسوم بعنوان «صورة العرب وحوار الثقافات… رؤى مستقبلية»، والذي نظمته المنظمة العربية للحوار بالتعاون مع إدارة منظمات المجتمع المدني بالجامعة، في إطار اهتمام عربي متزايد بقضايا الحوار الحضاري وبناء جسور التفاهم الإنساني وقد عُقد المؤتمر بحضور نخبة من الشخصيات الدبلوماسية والفكرية والإعلامية البارزة، من بينهم الوزير المفوض نوال برادة، مدير إدارة منظمات المجتمع المدني بجامعة الدول العربية، والدكتورة حنان يوسف، رئيس الاتحاد العربي للإعلام والثقافة والمنظمة العربية للحوار، إلى جانب السفير محمد العرابي وزير الخارجية الأسبق، وأحمد الجروان رئيس المجلس العالمي للتسامح والسلام، فضلًا عن عدد من المفكرين والباحثين وممثلي منظمات المجتمع المدني.
في مستهل فعاليات المؤتمر، أكدت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية أن تعزيز الحوار بين الثقافات لم يعد خيارًا ترفيًّا، بل بات ضرورة إنسانية وحضارية ملحّة في ظل ما يشهده العالم من تصاعد لخطابات الكراهية، وانتشار الصور النمطية السلبية، وتنامي مظاهر التمييز والعنصرية. وشددت على أن الحوار الثقافي يمثل ركيزة أساسية لبناء مجتمعات قائمة على الاحترام المتبادل، وقبول الآخر، والتعايش السلمي بين الشعوب والحضارات.

جاء ذلك في الكلمة التي ألقتها الوزير المفوض نوال برادة، مدير إدارة منظمات المجتمع المدني، خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الفكري العربي «صورة العرب وحوار الثقافات – رؤى مستقبلية»، حيث أوضحت أن جامعة الدول العربية تحتفي هذا العام بالذكرى الثمانين لتأسيسها، باعتبارها أقدم منظمة إقليمية في العالم، إذ أنشئت في الثاني والعشرين من مارس عام 1945، انطلاقًا من إيمان راسخ بأهمية العمل العربي المشترك، وضرورة التنسيق الجماعي وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات المتعددة التي تواجه المنطقة العربية على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية.
أكدت برادة أن مسيرة «بيت العرب» منذ نشأته شهدت محطات تاريخية فارقة، واجه خلالها تحديات جسامًا تركت آثارها العميقة في التاريخ السياسي للدول والشعوب العربية، غير أن الجامعة ظلت على الدوام إطارًا جامعًا يسعى إلى تعزيز التعاون والتكامل العربي، ودعم مسارات التنمية المستدامة، عبر تنسيق المواقف وتوحيد الرؤى العربية في المحافل الإقليمية والدولية، بما يخدم المصالح العليا للأمة العربية.
في سياق حديثها عن دور المجتمع المدني، أوضحت أن جامعة الدول العربية، وحرصًا منها على تعزيز إسهام منظمات المجتمع المدني في التصدي للتحديات الدولية وتداعياتها المتزايدة على المنطقة العربية، استحدثت إدارة منظمات المجتمع المدني عام 2002، لتكون حلقة وصل فاعلة بين هذه المنظمات وأجهزة وآليات الجامعة المختلفة. وبيّنت أن هذه الإدارة تضطلع بدور محوري في مواكبة إنجازات ومبادرات منظمات المجتمع المدني العربية، ودعم أفكارها المبتكرة التي تهدف إلى تلبية تطلعات الشعوب العربية في مجالات التنمية، والعدالة الاجتماعية، وبناء الإنسان.
وشددت على التزام الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بدعم المبادرات الجادة التي تسهم في تعزيز دور المجتمع المدني العربي في تحقيق أهداف التنمية الشاملة والمستدامة، مؤكدة إيمان الجامعة العميق بقيمة هذا الدور في دعم مسيرة العمل العربي المشترك. وأشارت إلى أن استضافة هذا المؤتمر الفكري تأتي تجسيدًا لهذا التوجه، وحرصًا على ترسيخ ثقافة الحوار بين الحضارات، وتعزيز الانفتاح الواعي على الآخر دون التفريط في الخصوصية الثقافية العربية.

من جانبها، أكدت الدكتورة حنان يوسف، في كلمتها الافتتاحية، أن صورة العرب في الخطاب العالمي تُعد من القضايا المحورية التي تستدعي قراءة متأنية وموضوعية، تنطلق من إدراك عميق لجذور التاريخ الحضاري العربي، وتسعى في الوقت ذاته إلى صياغة سردية معاصرة تعكس القيم الإنسانية والأخلاقية والثقافية التي أسهمت الحضارة العربية في ترسيخها عبر العصور، وأسهمت من خلالها في إثراء الحضارة الإنسانية جمعاء.
وأضافت أن العالم يشهد اليوم تحولات متسارعة وتداخلًا ثقافيًّا غير مسبوق، الأمر الذي يجعل من الحوار أداة استراتيجية لا غنى عنها لتعزيز التفاهم المتبادل بين الشعوب، وتصحيح الصور النمطية المغلوطة، وتأكيد الدور الحيوي للثقافة العربية بوصفها شريكًا فاعلًا في بناء مستقبل عالمي يقوم على التعاون، والتعددية، والاحترام المتبادل بين الأمم.
وأوضحت الدكتورة حنان يوسف أن هذا المؤتمر يشكل منصة فكرية ودبلوماسية مهمة لتبادل الرؤى والخبرات، واستشراف آفاق مستقبلية جديدة من شأنها تعزيز الحضور العربي على الساحة الدولية، من خلال خطاب ثقافي مسؤول، متوازن، وقادر على مخاطبة العالم بلغة العقل والحكمة. كما أعربت عن تطلعها إلى أن تسفر أعمال هذا المحفل العلمي والفكري الكبير عن مخرجات عملية وتوصيات بنّاءة، تسهم في دعم جهود الحوار الثقافي العالمي، وترسيخ مكانة الثقافة العربية في المشهد الدولي، بما يعكس حقيقتها الحضارية ودورها الإنساني الأصيل.

شهد المؤتمر تفاعلًا فكريًا لافتًا من قبل الحضور، حيث قدّم عدد من المشاركين مداخلات بناءة عكست عمق الوعي بالقضايا المطروحة، وأسهمت في إثراء النقاش وتوسيع آفاقه. وتناولت هذه المداخلات محاور متعددة تتعلق بصورة العرب في الإعلام الدولي، وآليات تفكيك الصور النمطية السائدة، وأهمية توظيف القوة الناعمة والثقافة والفنون والتعليم في بناء خطاب عربي معاصر قادر على مخاطبة الآخر بلغة إنسانية مشتركة.
كما ركزت بعض المداخلات على الدور المحوري للمؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في تعزيز ثقافة الحوار والتسامح، وتكريس قيم التعايش وقبول الاختلاف، إلى جانب التأكيد على ضرورة الانتقال من التنظير الفكري إلى المبادرات العملية والمشروعات المشتركة التي تُترجم مبادئ الحوار الثقافي إلى واقع ملموس. وقد عكست هذه المشاركات حالة من التفاعل الإيجابي والمسؤول، وأسهمت في تعميق الرؤية العامة للمؤتمر، وتعزيز قيمته بوصفه مساحة حقيقية لتبادل الخبرات وصياغة رؤى مستقبلية تخدم الحوار بين الثقافات وترتقي بصورة العرب على الساحة العالمية.

في ختام فعاليات المؤتمر، قامت الدكتورة حنان يوسف، رئيس المؤتمر ورئيس الاتحاد العربي للإعلام والثقافة والمنظمة العربية للحوار، بتكريم عدد من المشاركين من رموز الدبلوماسية والفكر والمجتمع العربي، تقديرًا لإسهاماتهم البارزة ودورهم الفاعل في إثراء أعمال المؤتمر ودعم مسارات الحوار الثقافي. وجاء هذا التكريم تعبيرًا عن الامتنان لما قدمه المكرَّمون من رؤى عميقة ومواقف مسؤولة أسهمت في تعزيز قيم التسامح والتفاهم والانفتاح الحضاري، وترسيخ مكانة الحوار كأداة لبناء جسور الثقة بين الشعوب. وقد عكس هذا المشهد الختامي روح المؤتمر وأهدافه، مؤكّدًا أن تكريم الفكر والكلمة الواعية هو في جوهره تكريم لمسيرة إنسانية تسعى إلى الارتقاء بالوعي العربي وتعزيز حضوره الإيجابي في المشهد الدولي.



