الضمير الغائب بات واقعا ملموسا فى هذه الأيام لما له من أثر في انهيار المجتمع فحين تتزاحم الأخطاء، وتتكرّر المشاهد ذاتها بوجوهٍ مختلفة، يقف الإنسان حائرًا أمام مرآة الواقع، متسائلًا في مرارة: العيب في مَن؟
سؤالٌ يبدو بسيطًا في صياغته، عميقًا في دلالته، يتردّد كلّما انهارت قيمة، أو ضاع حقّ، أو سقط مبدأ. وبين ضجيج الاتهامات وتبادل اللوم، يظلّ الجواب معلّقًا بين ضميرٍ غائب، ومسؤوليةٍ مهدرة، ونفوسٍ آثرت الصمت على المواجهة.
ومن هذا السؤال تبدأ الحكاية؛ حكاية مجتمعٍ لا ينقصه الوعي بقدر ما ينقصه الصدق مع النفس، والجرأة على الاعتراف بأن الخلل قد يسكن فينا قبل أن نسكنه في غيرنا.
كلُّ فعلٍ سيِّئ، أو حدثٍ كارثيٍّ يقع، يليه مباشرةً سؤالٌ يتردّد على الألسنة: العيب في مَن؟
وهو سؤالٌ يكثر طرحه في هذا الزمان، وتتعدّد الإجابات عنه إلى حدٍّ يمكن أن نتحدّث فيه طوال اليوم؛ إذ إنّ العيب لا يقتصر على شخصٍ بعينه، بل يتوزّع على كلِّ إنسانٍ فقد ضميره، أيًّا كان وصفه، أو موقعه، أو مسمّاه.
العيب فيمن لا انتماء له ولا ولاء، لا لأسرته ولا لوطنه.
العيب فيمن يتغافل، ويريد النجاح والتقدّم دون جهدٍ أو تعب.
العيب فيمن يحسد ويحقد، فيهدم كلَّ ما هو صحيح وسليم.
العيب في الجاهل الذي يدّعي العلم والثقافة، وهو في حقيقته خواءٌ أجوف.
العيب في كلِّ إنسانٍ يُهدر كلَّ شيء: دماءً، وأموالًا، وأوقاتًا.
العيب في كلِّ من يرى الخطأ رأيَ العين، ثم لا يتّخذ موقفًا ولا ينكر منكرًا.
العيب في الإنسان الغامض، غير الواضح، حتى مع نفسه.
العيب فيمن يُغمض عينيه عن الخطأ، ويتجاهله كأنّه لم يكن.
العيب في عدم الاستماع للنصيحة، وسوء التصرّف عند المواقف.
العيب في كلِّ من ينصح غيره، وينسى نفسه، ويتوهّم أنّه لا يخطئ.
فما بالُنا إذا اجتمع العيب والحرام معًا؟
وأيُّ حالٍ يكون عليه المجتمع حين يغيب الضمير، ويُبرَّر الخطأ، ويُترك الفساد بلا حساب؟



