
ترجمة: د. يسرا محمد مسعود
إن مصطلح «مصر هي هبة النيل»، والذي صاغه المؤرخ اليوناني هيرودوت، لم يكن صياغة أدبية بسيطة ولا ملاحظة عابرة.
فهو يلخص حقيقة جغرافية وتاريخية وبشرية عميقة، شكّلت قلب الحضارة المصرية منذ فجر التاريخ. إن النيل لم يكن أبدًا نهرًا عاديًا؛ فقد كان ولا يزال الشريان الحيوي الذي أدى إلى ميلاد الدولة وربط الشعب المصري بأرضه وبمصيره.
فعلى ضفاف النيل وُلدت القرى الأولى، ثم المدن، قبل ظهور إحدى أقدم الحضارات المتمركزة في التاريخ. وبينما تحيط الصحارى بالوادي من كل اتجاه، يجلب النيل المياه والطمي والحياة، ويحوّل شريطًا ضيقًا من الأرض إلى منطقة خصبة قادرة على الازدهار والاستمرار. ولم يعرف المصري القديم الزراعة إلا من خلال طمي النيل، ولا الزمن إلا من خلال دوراته، لدرجة أن التقويم الزراعي والطقوس الدينية أصبحا انعكاسًا أمينًا للنهر وكرمه.
إن النيل لم يكن أبدًا مجرد مصدر للماء، بل شكّل نظام حياة كاملًا يضمن المعيشة، ويفتح الطرق التجارية، ويوحد الشمال والجنوب، وأصبح الرابط الجغرافي والسياسي الذي صاغ وحدة مصر عبر العصور. وليس مدهشًا إذًا أن المصري القديم قد قدّسه، ومنحه مكانة مركزية في الأساطير والطقوس، رمزًا للخصوبة والنهضة والاستمرار.
وعلى مر القرون، ظل النيل راسخًا بعمق في الوعي الجماعي للمصريين، حتى مع تطور أساليب الإدارة. وفي العصر الحديث أصبحت قضية النيل مسألة وجود وأمن قومي، إذ إن حياة أكثر من مئة مليون مصري تظل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذا النهر، الذي يغذي الزراعة والصناعة ويوفر المياه العذبة، ويظل الضامن الرئيسي للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وتُجسّد الجهود المبذولة لتحديث الري وبناء السدود وترشيد استخدام المياه وعيًا معاصرًا موروثًا من معرفة قديمة، ألا وهي قيمة النيل وضرورة حمايته.
إن اختيار النيل موضوعًا رئيسيًا لعددنا السنوي لا يندرج فقط في إطار الإشادة بالماضي، بل ينبع من قناعة عميقة بأن الحديث عن النيل هو حديث عن مستقبل مصر. وفي عالم يتسم بندرة متزايدة في المياه وتعقيد التوازنات الجيوسياسية، أصبح النيل تحديًا للوعي الجماعي ومسؤولية مشتركة، إذ تخطّى حدود الذاكرة والأسطورة ليسجّل حضوره في قلب الحاضر وبناء الغد.
إن النيل ليس صفحة تاريخ بسيطة، ولا مصدرًا طبيعيًا عاديًا؛ إنه تاريخ كامل لوطن، وتاريخ شعب تعلّم أن يحيا مع النهر، وأن يدافع عنه، وأن يحوّل هباته إلى حضارة أبدية. وبهذه الروح، يفتح هذا العدد السنوي مجددًا هذا الملف الكبير، لا كذكرى، بل كقضية دائمة: كيف يمكن أن نحافظ على شرياننا الحيوي ونحمي الهبة التي شكّلت مصر، وستستمر في صياغتها ما دام النيل يجري في عروقها؟
المصدر:



