الإثنين, ديسمبر 1, 2025
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةفنونموسيقار الشرق فريد الأطرش أمير النغم| حياة تُعزف وموسيقى تُخلّد ورحيل أسطورى

موسيقار الشرق فريد الأطرش أمير النغم| حياة تُعزف وموسيقى تُخلّد ورحيل أسطورى

فريد الأطرش فنان استثنائى يشبه نجمًا سقط من سماء الشرق، لا ليُطفئ ضوءه، بل ليُعلّم الأرض كيف تُنشد.
ولد في حضن جبل العرب، فحمل صلابته في العود، وحمل حزن الريح في صوته، ثم عبر حدود البلاد كعابر أسطورة يبحث عن قدره. وحين حطّت قدماه مصر، بدت له كواحة موسيقية تنتظر من يوقظ ينابيعها؛ فمدّ أصابعه على الأوتار، فانشقّ عنها زمن جديد.

موسيقار الشرق فريد الأطرش
موسيقار الشرق فريد الأطرش

لم يكن فريد مجرد موسيقار، بل كان مجدِّدًا حمل على كتفيه نهضة الموسيقى الشرقية؛ مزج بين أصالة المقامات ورحابة الخيال، بين الحزن النبيل والفرح المكسور، فابتكر ألوانًا جديدة وفتح طرقًا لم يسرها أحد قبله. غيّر شكل المونولوج، وأعاد تعريف اللحن الشرقي، وكتب بصوته مدرسة كاملة في العاطفة، حتى صار العود بين يديه يتحدث لغة لا يجيدها سواه.

وفي كل خطوة من رحلته، كان كأنه يمشي فوق وتر رفيع يمتد من المنفى إلى المجد، ومن الشجن إلى الخلود.
فريد الأطرش لم يكن موسيقيًا عاش في زمنه… بل كان زمنًا من الموسيقى عاش في رجل واحد.

رحيل أسطورى
رحيل أسطورى

نهاية الرحلة .. ولحظات العمر المنقضى

في ذلك اليوم الرمادي من شتاء ٢٦ ديسمبر ١٩٧٤، انطفأ وترٌ من أوتار الشرق.
أسدل الموسيقار العالمي فريد الأطرش ستار العمر الأخير داخل مستشفى “حايك” بضاحية سن الفيل، كأنما تعب القلب من طول ما خفق بالشجن واللحن والأنين الجميل. كان اليوم نفسه يشهد العرض الأول لفيلمه الحادي والثلاثين “نغم في حياتي”، وكأن القدر أراد أن يودِّعه بنغمة أخيرة تُعزف على شاشة السينما بينما يرحل هو بهدوء من شاشة الدنيا.

لكن الرحيل لم يكن بسيطًا؛ فوصيته كانت أن يُدفن في مصر، أرض الفن التي احتضنت غربته وموهبته ونجوميته. غير أن طائفة الدروز في لبنان اعترضت، واحتشد منهم أربعمائة رجل مدججين بالسلاح دفاعًا عن طقوسهم ومكانتهم. وحده شقيقه فؤاد استطاع أن يقنعهم بأن هذه كانت رغبة فريد الأخيرة، فخضعوا بدموع ممزوجة بالفخر، وتم تحنيط الجثمان وفق شعائرهم، قبل أن تُفتح الطريق لمصر كي تستقبل ابنها بالتبني وعملاقها الأثير.

حياة تُعزف وموسيقى تُخلّد ورحيل أسطورى
حياة تُعزف وموسيقى تُخلّد ورحيل أسطورى

وصل الجثمان إلى القاهرة، وانُتقل إلى مستشفى في المعادي، ثم إلى مسجد عمر مكرم. وهناك، لم تستطع جدران القاهرة احتواء مشاعر الناس؛ حشود هائلة، وعيون دامعة، وصراخ يختلط بصدى أغانيه. تعذّر تشييع الجنازة، وخرج الجثمان من باب البدروم سرًّا لينطلق إلى مدافن البساتين وسط موج بشري يهتف بجنون:
“الله أكبر… الله أكبر… مع السلامة يا فريد”.

كيف كانت بداية الرحلة؟

ولد فريد في السويداء بجبل العرب، في حضن عائلة الأطرش العريقة، أبوه الأمير فهد الأطرش، وأمه الأميرة عالية اللبنانية، التي حملت أبناءها إلى مصر هربًا من بطش الاحتلال الفرنسي ورغبته في الانتقام من عائلة المناضل فهد الأطرش. وفي مصر بدأت الحكاية من جديد… طفولة لم تعرف الدلال، وشاب يبيع القماش ويوزع الإعلانات ليُعين أسرته التي مزّقتها السياسة والتشرد.

تعلم في مدرسة “الخرنفش” الفرنسية، ثم في معهد الموسيقى، حتى التقطه الموسيقار مدحت عاصم، فوضع بين يديه عوده الأول في الإذاعة المصرية. وهناك سجّل باكر أغنياته “يا ريتني طير لأطير حواليك”، ثم قادته الأقدار إلى فرقة بديعة مصابني، قبل أن يقتحم عالم السينما مع شقيقته أسمهان في فيلمهما الأول “انتصار الشباب” عام ١٩٤٠… ومنه إلى المجد الذي لا يغيب.

لم يكن فريد الأطرش عبقريًا في الموسيقى فحسب، بل كان أميرًا في الخُلق كما في النَّسب.
ظل طوال حياته وفيًّا، رقيقًا، كبير القلب، كريمًا حتى مع من لا يعرفهم، وبيته مفتوحًا للجميع؛ يتساوى فيه الفقير والوزير. أحبّه كل من اقترب منه، وشهد له أصدقاؤه بأن تواضعه كان أعمق من صوته الحزين وأصدق من عوده الذي كان يحكي عنه أكثر مما يحكي هو عن نفسه.

ترك لنا فريد الأطرش إرثًا يزيد عن ٢٥٠ أغنية ونشيدًا، و٣١ فيلمًا، وترك قبل ذلك وبعده قلبًا واسعًا، وذكرى عطرة، وصوتًا لا يُشبه إلا صوته…
رحل الأمير، وبقيت الموسيقى شاهدة على أنه لم يكن مجرد فنان، بل كان نغمًا يمشي على قدمين.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات