لم يكن صباح ذلك اليوم يشبه أي صباح مرّ على “مدينة السينما”. كانت الشمس تشرق ببطء، وكأنها تتردد في أن تكشف عن يوم يحمل امتحانًا جديدًا، وقف الفنان محمد إمام قبالة باب اللوكيشن، يتأمل المدينة الضخمة التي بُنيت بعناية لمسلسله الجديد الكنج… شوارع كاملة، مبانٍ شاهقة، وممرات صنعتها أيادي مهندسين وفنانين أحبّوا الضوء أكثر مما أحبّوا النوم.
كان المكان يستعد لحركة الكاميرات، لصوت “أكشن” الذي يفتح شهية الحياة… لكن فجأة، دوّى صوت آخر، أكثر شراسة.
شرارة صغيرة… ثم نفسٌ من الريح… ثم انفجار صامت من اللهب غسل السماء بلون البرتقالي.
في ثوانٍ معدودة، تحولت الجدران الخشبية إلى جمرة، والديكورات التي صمّمها تامر إسماعيل بإتقان إلى لهبٍ يأكل تفاصيلها بلا رحمة. كان الدخان يعلو، سميكًا، كأن السماء تحاول أن تستر الفاجعة.
اندفع فريق العمل مذعورًا، يجرون حاملين ما استطاعوا من ملابس ومعدات.
لكن وسط الجحيم… كان هناك رجال يركضون عكس الاتجاه.
رجال الإنتاج… وحوش كما يُقال عنهم، لكنهم في تلك اللحظة بدوا كفرسان قديمين، يقتحمون النار بأذرعهم العارية لينقذوا ما يمكن إنقاذه. كانت أصواتهم تختلط بصوت صفارات سيارات الدفاع المدني التي وصلت كالسيف حين يُشهر في وجه الخطر.
وقف محمد إمام بعيدًا قليلًا، يراقب المشهد بقلبٍ يضطرب. رأى سنوات العمل في عيون فريقه، رأى أحلامًا تذوب أمامه كما يذوب شمعٌ في قبضة النار.
لكنه رأى أيضًا – وسط العتمة – لطفًا خفيًا.
رغم ضخامة الحريق…
رغم الخسائر…
لم يُصب أحدٌ بإصابة خطيرة. كانت المعجزة تسير فوق اللهب بخطى لا يراها إلا من يعرف أن لكل مصيبة بابًا من رحمة.
اقترب منه أحد رجال الإطفاء وقال بصوت متعب:
“اطمّن… قدر الله وما شاء فعل. الحمد لله إنكم بخير.”
تنفّس محمد بعمق، كأن صدره يبتلع كل الدخان ليخفف عن السماء ثقلها، ثم رفع هاتفه ليكتب ما يشعر به… لا ليبرّر، بل ليشهد.
كتب إمام فى حسابه على فيس بوك عن النار… وعن الامتحان… وعن الامتنان.
كتب عن رجال يحبون عملهم حتى لو دخلوا النار من أجله.
كتب عن زملاء اتصلوا من كل مكان، يطمئنون أكثر مما يسألون.
كتب عن الشكر… وعن الصبر… وعن الثقة التي لا تهتز حين تكون في الله.
وفي نهاية اليوم، عندما أخمدت النيران، ظلّت رائحة الحريق تملأ المكان… لكنها لم تستطع أن تطفئ عزيمة.
فريق الكنج لم ينتهِ.
والحكاية لم تُحرق… بل ازدادت وهجًا.
وقف محمد أمام بقايا الديكور، وقال بخفوت يشبه وعدًا:
“اللي حصل اختبار صعب في وقت أصعب… بس مكملين.
موعدنا رمضان ٢٠٢٦… بإذن الله.”
ومن بين الركام…
بدأت الحكاية من جديد.
كانت محافظة الجيزة قد أعلنت السيطرة على الحريق الذي اندلع داخل أحد مواقع التصوير المفتوحة في “استوديو مصر” بمنطقة المريوطية، من دون تسجيل خسائر في الأرواح.
وأكد المحافظ عادل النجار، في بيان، سلامة البنية التحتية للموقع السينمائي التاريخي والمباني المحيطة، مشيراً إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من إخماد النيران التي اشتعلت في ديكورات منطقة التصوير بعد الدفع بخمس سيارات إطفاء نجحت في محاصرة الحريق ومنع امتداده.
من جانبه، أكد وزير الثقافة المصري أحمد فؤاد هنو أن الحريق الذي اندلع في أحد مواقع التصوير المفتوحة داخل “استوديو مصر” لم يسفر عن أي خسائر في الأرواح.
وشدد الوزير على سلامة البنية التحتية للاستوديو التاريخي ومحتوياته، إضافة إلى المباني المحيطة، موضحاً أن النيران اشتعلت في ديكورات “الحارة” المخصّصة لتصوير مسلسل “الكينج” المقرر عرضه في موسم رمضان 2026.
كما وجّه بضرورة التنسيق الفوري مع النيابة المختصة والحماية المدنية للوقوف على ملابسات اندلاع الحريق وأسبابه.
وفي السياق ذاته، قال الرئيس التنفيذي للشركة القابضة للسينما عز الدين غنيم، إن الحريق كان في المنطقة المفتوحة الخاصة بالاستوديو، والتهم ديكور الحارة الخاص بمسلسل “الكينج” وتعرّض لأضرار كبيرة.
وأضاف غنيم أنه لم تحدث أي خسائر في الأرواح، حيث إن الحريق اندلع قبل التصوير وحضور طاقم عمل المسلسل.
وعن أسباب الحريق قال عز الدين: “بدأت النيابة العامة تحقيقاتها للوقوف على أسباب الحريق، ومن المقرر الكشف عن الأسباب خلال الساعات القليلة القادمة”.
“استوديو مصر”
يُعتبر “استوديو مصر” أقدم استوديو سينمائي بمنطقة الشرق الأوسط، أنشأه الاقتصادي المصري طلعت حرب في السابع من مارس عام 1935 ليساهم منذ ذلك الوقت في دعم السينما المصرية، وذلك من خلال شركة مصر للتمثيل والسينما التي كانت إحدى المؤسسات العملاقة التي أنشأها منذ عام 1927.
وأنتج “استوديو مصر” فيلماً قصيراً مدته عشر دقائق للترويج للمنتجات المصرية، كما قدم “نشرة أخبار أسبوعية” ترصد أبرز أحداث البلاد وتُعرض في دور السينما قبل بدء أي فيلم.
كما ابتعث الاستوديو فرقاً فنية من المخرجين والمصورين المصريين إلى أوروبا لاكتساب خبرات في فنون التصوير والإخراج والديكور والمكياج.
وكان أول إنتاج سينمائي للاستوديو هو فيلم “وداد” عام 1935 من بطولة كوكب الشرق أم كلثوم. ومنذ افتتاح هذا الصرح السينمائي وحتى اليوم، شهد الاستوديو تطوراً لافتاً في مختلف الجوانب الفنية والتقنية، سواء في مجالات الديكور والتصوير والمونتاج، أو في البلاتوهات المجهزة لعمليات التصوير.
كما كان له دور إيجابي في تاريخ الإنتاج السينمائي في مصر، وساهم في دعم موقع مصر في المجال الفني.
أُقيم استوديو مصر على مساحة واسعة تضم عدداً من البلاتوهات، وورشاً للديكور، وغرفاً مخصّصة للممثلين، إضافة إلى مخازن للملابس ومعدات التصوير السينمائي.
وقدّم الفنان محمد بيومي للاستوديو مجموعة من آلات التصوير السينمائي، فيما احتوى الاستوديو أيضاً على أحد أشهر ديكورات “الحارة المصرية” التي ظهرت في مشاهد العديد من الأفلام، غير أن هذا الديكور احترق بالكامل جرّاء الحريق.



