بقلم: د. أميرة المهدي
خلف جدار العيب في زحام الحياة، حيث تتشابك الأصوات وتعلو المسميات، يظل الصمت أحيانًا أخطر من الخطر ذاته. هناك قضايا لا تحتمل التأجيل ولا يجوز أن تُوارى خلف ستار الحرج، لأنها تمس جوهر الإنسان وكرامته قبل أي اعتبار آخر. والتربية الجنسية لذوي الهمم ليست ترفًا فكريًا ولا اقتباسًا دخيلًا على قيمنا، بل هي واجب أخلاقي وإنساني، وصرخة وعي في وجه التجاهل. فهؤلاء الأبناء، بقلوبهم النقية وأرواحهم الشفافة، يستحقون أن نمنحهم الأمان قبل أن نطالبهم بالصمت، وأن نحصّنهم بالمعرفة قبل أن نتركهم فريسة للجهل والاستغلال. من هنا، يصبح الحديث عن حمايتهم مسؤولية جماعية، تبدأ من البيت ولا تنتهي عند حدود المجتمع، لأن الأمان حق… لا يُؤجَّل ولا يُساوَم عليه.
يُعد ملف التربية الجنسية لذوي الهمم، وتحديداً من يواجهون تحديات ذهنية، من أكثر الملفات إلحاحاً وحساسية في واقعنا المعاصر. فبينما يغلف الصمت هذا الموضوع تحت شعار “ثقافة العيب”، يفرض الواقع ضرورة حتمية لتوعية هذه الفئة وحمايتها. إن أبناءنا من ذوي الهمم يمرون بمراحل نمو بيولوجي طبيعية، لكن الفجوة تكمن في قدراتهم الإدراكية التي قد لا تسعفهم للتمييز بين السلوك الاجتماعي المقبول والمنبوذ، مما يجعلهم عرضة للاستغلال بسبب سمات الانقياد والطيبة الفطرية التي يمتلكونها.
جدار الحماية: الأمان يبدأ من المنزل
إن أولى خطوات الحماية تبدأ بكسر حاجز الخوف لدى الوالدين؛ لكي يجرؤ الطفل على الإفصاح عما يتعرض له، يجب أن يحيطه الأهل بمناخ من الحب غير المشروط والحنان الدائم. إن الشعور بالأمان النفسي هو ما يمنع الطفل من الصمت في حالة تعرضه لأي محاولة تحرش، فالترهيب لا يولد إلا الانطواء وضياع الحقوق.
الآثار النفسية: جروح لا تلتئم بسهولة
لا تتوقف آثار التحرش عند الإيذاء الجسدي، بل تمتد لتفتك بنفسية الطفل، وتظهر في صورة خوف دائم، وفقدان الثقة بالنفس، وانغماس في أحلام اليقظة للهروب من الواقع. وفي حالات متقدمة، قد يصاب الطفل باضطرابات سلوكية وعدوانية، أو حتى ميل للانحراف نتيجة عدم فهمه لما حدث له. لذا، الوقاية هنا ليست مجرد نصيحة، بل هي طوق نجاة من أمراض نفسية وجسمانية مزمنة قد تلازمه طوال حياته.
خارطة طريق وقائية حسب المراحل العمرية
تتطلب حماية الأبناء استراتيجية تبدأ منذ الصغر وتتطور بتطور مداركهم:
• مرحلة الرضاعة: يجب الحرص على “العورة” ومنع الأغراب من تغيير ملابس الطفل، وتجنب تركه وحيداً مع الغرباء تحت أي ظرف.
• سن السادسة (بناء الوعي): تعليم الطفل “قدسية الجسد”، وأن هناك مناطق “خط أحمر” لا يجوز لأحد رؤيتها أو لمسها. كما يجب البدء بفصل الأبناء في المضاجع، وتعليمهم آداب الاستئذان قبل دخول غرفة الوالدين، مع مراقبة الألعاب المشتركة مع الأقارب الأكبر سناً.
• مرحلة البلوغ (من سن العاشرة): هنا يأتي دور الشرح المبسط بما يتناسب مع القدرة العقلية. على الأم أن تشرح لابنتها تغيرات البلوغ والدورة الشهرية، وعلى الأب دور مماثل مع الابن. يجب تحذيرهم بوضوح من “اللمسات المشبوهة” أو التقبيل والمديح المفرط للجسد، مع تدريبهم على الامتناع عن الملابس غير الساترة حتى داخل المنزل.
نصيحة ختامية للوالدين
إن حماية أبنائنا من ذوي الهمم تتطلب عيناً يقظة وقلباً محباً. راقبوا سلوكهم عند اللعب، واحرصوا على خصوصيتكم كوالدين، وعلموهم أن الجسد أمانة. إن التربية الجنسية الواعية ليست خدشاً للحياء، بل هي الدرع الذي يحفظ كرامتهم وإنسانيتهم في مجتمع يحتاج الكثير من الوعي والرحمة للتعامل مع هذه الفئة الغالية على قلوبنا.



