الوقف فى القرآن الكريم عند قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ﴾ بين القراءات السبع وأقوال العلماء.
يُعدّ علم الوقف والابتداء من أهم العلوم التي تُصان بها معاني القرآن الكريم، إذ يضبط القارئ مواضع الوقف التي تستقيم معها دلالة الآيات، وتكتمل بها المباني والمعاني. ويكثر السؤال حول جواز الوقف في مطلع سورة البقرة عند قوله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ﴾
ثم استئناف القراءة: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وهذا الوقف وإن ظنّه بعض الناس سائغًا، إلا أن أهل القراءات والوقف والابتداء بيّنوا أن الوقف هنا غير جائز، وأنه لا يوافق أيًا من القراءات السبع ولا العشر، لما فيه من قطع المعنى وإخلال بالبناء.
أولًا: نص الآية في القراءات السبع
اتفق القرّاء السبعة — نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي — على قراءة الآية بالوصل دون خلاف لفظي مؤثّر:
﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾
ولا يوجد في أي قراءة سبعية أو عشرية موضع يجيز الوقف على “لَا رَيْبَ” باعتبارها نهاية جملة.
ثانيًا: حكم الوقف عند علماء الوقف والابتداء
١- رأي الإمام أبو عمرو الداني (ت 444هـ)
في كتابه المكتفى في الوقف والابتداء، عدّ الوقف على قوله: ﴿لَا رَيْبَ﴾ من الوقف القبيح؛ لأن الجملة لم تتم، ولأن المعنى لا يستقيم إلا بوصلها بما بعدها.
٢- رأي السجاوندي (ت 560هـ)
صاحب كتاب علَمُ الوقف والابتداء، وهو من أدق المصادر في هذا العلم.
وضع علامة الوقف القبيح عند لفظ: لَا رَيْبَ، ونصّ على أنه لا يوقف عليه بحال، لأنه ينفصل عن موضع رفع الريب، ويتوهم السامع إثبات الريب في غير مذكور.
٣- رأي ابن الأنباري (ت 328هـ)
في كتابه الوقف والابتداء، قال إن الوقف على “لا ريب” يفسد المعنى، لأن نفي الريب متعلق بالضمير في “فيه”، فلا يكتمل المعنى إلا بالوصل.
٤- رأي الزركشي (ت 794هـ)
قال في البرهان في علوم القرآن:
“الوقف على (لا ريب) قبيح، لأنه يوهم ثبوت الريب في غير الكتاب، ولم يتم الكلام بعد.”
٥- رأي الإمام السيوطي (ت 911هـ)
ذكر في الإتقان في علوم القرآن أن من الوقوف التي يجب تجنبها الوقف على ما لا يستقل معنى، واستشهد العلماء بالآية محل البحث.
ثالثًا: العلة اللغوية في منع الوقف
التركيب اللغوي للآية قائم على جملة واحدة:
(لا ريب فيه) جملة اسمية متكاملة
نفي الريب مقترن بالضمير “فيه”
حذف الضمير يُبقي جملة بلا خبر تام
فإذا وقف القارئ عند لَا رَيْبَ صار الكلام—لغةً—مبتورًا؛ لأنه يُصبح بلا خبر، ويُفهم منه:
إمّا أن هناك ريبًا ولكن في غير مذكور
أو أن الجملة ناقصة لم تكتمل
وهذا لا يليق بجلال المعنى القرآني.
رابعًا: العلة التفسيرية في منع الوقف
اتفق المفسرون الكبار على أن معنى الآية هو:
> لا شكّ في هذا الكتاب، وهو هداية للمتقين.
ومنهم:
الطبري في تفسيره: “لا شك فيه عند المؤمنين”
القرطبي: “المعنى لا ريب في كونه من عند الله”
ابن كثير: “لا شك عند أحد من أهل العلم أنه حق” فالفصل بين الجملتين يفصل الدلالة، ويخلّ بقصد الآية التي تربط نفي الريب بهدايته.
خامسًا: موضع الوقف الصحيح
يكون الوقف الصحيح باتفاق العلماء على:
﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (وقف جائز وكامل المعنى)
ثم
﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ جملة مستقلة أو صفة للكتاب
الخلاصة
لا توجد قراءة سبعية أو عشرية تجيز الوقف عند “لَا رَيْبَ”.
جميع أئمة الوقف والابتداء: الداني – السجاوندي – ابن الأنباري – الزركشي – السيوطي، أجمعوا على أنه وقف قبيح.
الوقف الصحيح هو: لا ريب فيه.
الوقف على “لا ريب” يقطع المعنى ويوقع في توهّم لا يليق ببلاغة القرآن.



