بقلم: على رضوان حميد
منسق هيئة خبراء الانساب والدراسات القبلية
كانت الهجرة الأولى للأوس والخزرج بداية تاريخية لها ملامح قدسية فى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سدِّ مأرب إلى طيبة .. نصرة غيّرت مجرى التاريخ
حينما تَضيقُ الأوطانُ بأهلها، وتضجُّ الأرضُ بنداء الرحيل، تُولَدُ الهجراتُ الكبرى التي تغيّر وجه التاريخ ومن بين ركام سدٍّ تهدّم، ومياهٍ جرفت معها الاستقرار القديم، خرجت قبائلُ عريقةٌ تحمل في صدورها المجد، وفي أنسابها السؤدد، وفي خطاها وعدَ المستقبل.
كانت الرحلة من اليمن إلى يثرب رحلةَ قدرٍ لا مجرد انتقال، ومسارَ أمةٍ لا هجرة قبيلة؛ فهناك، في طيبة، كُتبت فصولٌ جديدة من التاريخ العربي والإسلامي، وتشكلت هوية الأنصار، أولئك الذين صاغوا معنى النصرة، وجعلوا من الإيواء شرفًا، ومن الوفاء رسالة، ومن التضحية نهجًا خالدًا.
إن الحديث عن الأنصار ليس سردًا لأسماءٍ وأنساب، بل هو استدعاءٌ لذاكرة المجد، وقصةُ رجالٍ سبقوا الزمن، فكانوا حين جاء الإسلام أهله ودرعه وسنده، وحين نُودي للنصرة كانوا لها عنوانًا خالدًا لا يبهت.
نَزَحَتْ قَبِيلَةُ الأَنْصَارِ فِي عَهْدِ الجَاهِلِيَّةِ مِنَ اليَمَنِ إِلَى يَثْرِبَ (الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ) فِي أَزْمَانٍ مُبَكِّرَةٍ مِنَ القَرْنِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ المِيلَادِيِّ، حَوَالَي سَنَةِ (٣٠٠م)، وَذَلِكَ بَعْدَ انْهِيَارِ سَدِّ مَأْرِبَ، مِثْلَهُمْ مِثْلَ بَاقِي القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ فِي رَحِيلِهِمْ، فَكَانَتِ الرِّحْلَةُ إِلَى الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ حَتَّى اسْتَقَرُّوا فِي يَثْرِبَ.
وَلَمْ تَكُنْ هِجْرَتُهُمْ بِشَكْلٍ مُنَظَّمٍ، بَلْ كَانَتْ تَدْرِيجِيًّا، وَعَلَى فَتَرَاتٍ مُتَّصِلَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَلَى مَدَى قُرُونٍ، وَلَكِنَّ الأَهَمَّ هُوَ الاسْتِقْرَارُ المَكَانِيُّ وَالمُتَرَاكِمُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لَهُمْ جَمِيعًا، وَهِيَ يَثْرِبَ.
مَنْ هُمُ الأَنْصَارُ؟ وَمَا قِصَّتُهُمْ عَبْرَ التَّارِيخِ؟
الأَنْصَارُ هُمْ (الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ)، وَهُمَا قَبِيلَتَانِ عَرَبِيَّتَانِ مِنْ قَبَائِلِ الأَزْدِ اليَمَنِيَّةِ، هَاجَرَتَا مِنَ اليَمَنِ إِلَى يَثْرِبَ (الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ) قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَكَانَتْ تُعْرَفُ عَشِيرَتُهُمَا بِاسْمِ بَنِي قَيْلَةَ. وَقَدْ نَشَبَتْ بَيْنَهُمَا خِلَافَاتٌ حَادَّةٌ، وَمَعَارِكُ طَاحِنَةٌ، وَحُرُوبٌ طَوِيلَةٌ، أَشْهَرُهَا يَوْمُ (بُعَاثَ). ثُمَّ جَاءَ الإِسْلَامُ فَوَحَّدَ صُفُوفَهُمْ، وَكَانُوا لَهُ دِرْعًا وَسَيْفًا، وَقُوَّةً عَسْكَرِيَّةً هَائِلَةً، وَقُدْرَةً عَارِمَةً لَا يَمْتَلِكُهَا غَيْرُهُمْ.
أَكْثَرُ رِجَالِهِمْ شُهْرَةً هُمْ: سَعْدُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَأَبُو عَامِرٍ الحَنْظَلِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ.
الأَوْسُ هُمْ بَنُو الأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو بْنِ عَامِرٍ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ مَازِنٍ بْنِ الأَزْدِ.
وَالْخَزْرَجُ هُمْ بَنُو الخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو بْنِ عَامِرٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنٍ بْنِ الأَزْدِ.
سَكَنُوا فِي يَثْرِبَ، شِمَالَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، عَلَى بُعْدِ سِتِّمِائَةِ كِيلُومِتْرٍ.
وَقَدْ سُمُّوا بِالأَنْصَارِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ شَرَفًا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ آوَوُا الرَّسُولَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَصَرُوهُ مِنَ الأَسْوَدِ وَالأَبْيَضِ وَالأَحْمَرِ، فَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ رَحِيمًا.
هَاجَرَتْ قَبِيلَةُ الأَنْصَارِ، أَوِ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ، بَعْدَ الإِسْلَامِ إِلَى العَدِيدِ مِنَ البُلْدَانِ العَرَبِيَّةِ، فَسَكَنُوا العِرَاقَ، وَالشَّامَ، وَمِصْرَ، وَالمَغْرِبَ، وَمُورِيتَانِيَا، وَعُمَانَ.
أَمَّا أَنْصَارُ المَغْرِبِ فَيَنْتَسِبُونَ إِلَى (أَبِي دُجَانَةَ الأَنْصَارِيِّ الخَزْرَجِيِّ)، وَتَتَفَرَّعُ بُطُونُهُمْ إِلَى (٢٥) بَطْنًا، يُقِيمُونَ فِي صَحْرَاءِ جَنُوبِ المَغْرِبِ العَرَبِيِّ، وَهُمْ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنَ اليَمَنِ.
الأَنْصَارُ هُمْ قَبِيلَتَانِ قَحْطَانِيَّتَانِ، أَبْنَاءُ عُمُومَةٍ، هَاجَرَتَا مِنَ اليَمَنِ وَاسْتَقَرَّتَا فِي يَثْرِبَ.
وَيَعُودُ نَسَبُ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ إِلَى الأَزْدِ، وَمَعْنَاهُ لُغَوِيًّا (الأَسَدُ)، وَهُوَ لَقَبٌ لِشَخْصٍ اسْمُهُ أَزْدٌ، وَهُوَ بْنُ الغَوْثِ بْنِ نَبْتٍ بْنِ مَالِكٍ بْنِ زَيْدٍ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ عَامِرٍ، المُلقَّبِ (سَبَأ)، بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ.
فَوَلَدَ الأَزْدُ مَازِنًا، وَوَلَدَ مَازِنٌ ثَعْلَبَةَ المُلقَّبَ (البَهْلُولَ)، وَوَلَدَ ثَعْلَبَةُ امْرَأَ القَيْسِ المُلقَّبَ (البَطْرِيقَ)، وَوَلَدَ امْرَؤُ القَيْسِ حَارِثَةَ المُلقَّبَ (الغَطْرِيفَ)، وَوَلَدَ حَارِثَةُ عَامِرًا المُلقَّبَ (مَاءَ السَّمَاءِ)، وَوَلَدَ عَامِرٌ عَمْرًا المُلقَّبَ (مُزَيْقِيَاءَ)، وَوَلَدَ عَمْرٌو ثَعْلَبَةَ المُلقَّبَ (العَنْقَاءَ)، وَوَلَدَ ثَعْلَبَةُ حَارِثَةَ، وَوَلَدَ حَارِثَةُ الأَوْسَ وَالخَزْرَجَ.
فَالأَوْسُ وَالخَزْرَجُ أَبْنَاءُ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ العَنْقَاءِ بْنِ عَمْرٍو المُزَيْقِيَاءِ بْنِ عَامِرِ مَاءِ السَّمَاءِ بْنِ حَارِثَةَ الغَطْرِيفِ بْنِ امْرِئِ القَيْسِ البَطْرِيقِ بْنِ ثَعْلَبَةَ البَهْلُولِ بْنِ مَازِنِ بْنِ الأَزْدِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الأَلْقَابِ الَّتِي تَحَلَّى بِهَا الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ أَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي مَكَانَةٍ وَرِئَاسَةٍ وَسُؤْدُدٍ وَشَرَفٍ، وَامْتَدَّ هَذَا الشَّرَفُ إِلَى أَبْنَائِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، حَتَّى بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ مِنَ اليَمَنِ، وَحَيْثُمَا حَلُّوا كَانُوا مُلُوكًا فِي العِرَاقِ وَالشَّامِ، وَفِي مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَعُمَانَ.
وَيُعْتَبَرُ عَمْرُو المُلقَّبُ مُزَيْقِيَاءَ وَبَنُوهُ هُوَ مَنْ خَرَجَ مِنَ اليَمَنِ وَهَاجَرَ عَقِبَ (سَيْلِ العَرِمِ)، وَتَفَرَّقَ أَبْنَاؤُهُ فِي أَرْجَاءِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ سَكَنَ الشَّامَ، وَيُقَالُ لَهُمْ (غَسَّانُ)، وَهُمْ: حَارِثَةُ، وَجُفْنَةُ، وَمَالِكُ، وَكَعْبٌ، وَهَؤُلَاءِ الأَرْبَعَةُ يُقَالُ لَهُمْ (الغَسَاسِنَةُ)، وَهُمْ فِي بِلَادِ الشَّامِ.
وَمِنْ أَوْلَادِ عَمْرٍو المُزَيْقِيَاءِ أَيْضًا جَدُّ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ حَارِثَةُ، الَّذِي تَزَوَّجَ قَيْلَةَ بِنْتَ الأَرْقَمِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ جُفْنَةَ بْنِ عَمْرٍو المُزَيْقِيَاءِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُمُ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ: أَبْنَاءُ قَبِيلَةٍ نُسِبُوا إِلَى أُمِّهِمْ.



