زهير بن جمعة الغزال
في رحاب البيت العتيق، حيث تهفو القلوب قبل الأقدام، وتخشع الأرواح قبل الأصوات، تتجدّد معاني الوصية وتستيقظ في الضمائر بوصلة الطريق. من منبر المسجد الحرام خرجت الكلمات لا بوصفها خطبة عابرة، بل نداءً يوقظ القلوب من غفلتها، ويعيد للنفس توازنها بين إقبال وإدبار، وبين رجاء وخوف. هناك، حيث تتلاقى قداسة المكان بعظمة الرسالة، جاء التذكير بأن كتاب الله وسنة نبيه هما النور الذي لا يخبو، والزاد الذي لا ينفد، والملجأ الذي تستريح عنده الأرواح التائهة. إنها خطبة تُعيد ترتيب الداخل الإنساني، وتضع القلوب مرة أخرى على عتبة الهداية، لتتذكّر أن حياة القلوب إنما تُستمد من الوحي، وأن الموعظة الصادقة ليست ترفًا روحيًا، بل ضرورة لبقاء الروح حيّة في زحام الدنيا.
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام فضيلة الشيخ الدكتور بندر بن عبدالعزيز بليلة المسلمين بتقوى الله عز وجل، والتمسك بحبله.
وقال في خطبته التي ألقاها، اليوم، بالمسجد الحرام: إن للنفس إقبالًا وإدبارًا، وإيابًا وفرارًا، وعلاجها في كتاب الله وسنة رسول الله، ففيهما الهدى والنور، وبهما يكون الفوز يوم النشور، وهما أجل نعمة وأكرم منة تفضل الله بها على عباده.
وأوضح فضيلته أن الوعظ من صفات الله -جل وعلا- الفعلية التي تولاها -سبحانه- بنفسه العلية، وأمر -تبارك وتعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يعظ قومه، وباشرها رسول الله بنفسه، فغدت من أجل الوظائف، وأعظم القربات عند رب الأرض والسماوات، مؤكدًا أن من أفضل المواعظ وأجلها وأكثرها نفعًا وأعظمها أثرًا، كتاب الله جل وعلا، به حياة القلوب والأبدان، وغذاء الأرواح والوجدان، وأن من لم يتعظ بكتاب الله، فهو ميت تائه في ظلمات الغرور، ولو كان يمشي على هذه الأرض سعيًا فيها.
وبين الشيخ بندر بليلة أن الوعظ والتذكير لا يستغني عنه أحد من الناس، إذ خص بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكرم الخلق بعد الأنبياء والمرسلين -عليهم السلام- أفضل القرون، وخيرة الأزمان صحابته حتى ذرفت منها عيونهم، ووجلت منها قلوبهم، بل ها هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تذرف عيناه لما وجد في كتاب الله من الموعظة والذكرى، والتأثر والعبرة.
وأوصى إمام وخطيب المسجد الحرام المسلمين أن يتعاهدوا نفوسهم وقلوبهم وإخوانهم وأحباءهم، ومن له حق عليهم، بالموعظة والذكرى، فالقلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤها في كتاب الله، لافتًا النظر إلى أن الموعظة إنما ينتفع بها حق الانتفاع، ويستفيد منها حق الفائدة، من أقبل على الله بقلبه، والتمس الهداية من كتابه، وهي غاية كل عالم ومرام كل مصلح، وأن كل ذلك على منهج رسول الله، وصحابته الكرام بالعلم، والحكمة، والموعظة الحسنة مع التخفيف والإيجاز، حتى لا يمل الناس ويضجروا، فيقع نقيض مقصد الشارع، وهو أمر تُنَزَّهُ عنه الشريعة.



