في صحراء الربذة حيث يمتد الأفق وحيدًا تحت وطأة الشمس، وتبدو الأرض كأنها تختبر صبر من يمضي فوقها، كانت لحظات أبي ذر الغفاري رضي الله عنه الأخيرة تحمل مشهدًا من مشاهد اليقين التي لا تهزمها الوحشة، ولا يخيفها الموت، ولا يبدد سكينتها غياب الناس.
هناك، حيث لا أنيس ولا قريب، وقفت زوجته باكية، تخشى أن يرحل زوجها دون كفن أو مشيع، بينما كان أبو ذر يستقبل لحظاته الأخيرة بقلب مطمئن، يستحضر بشرى قديمة حملها في ذاكرته عن رسول الله ﷺ، وكأن كلمات النبي الكريم كانت له في تلك الساعة نورًا يبدد وحشة الصحراء.
لم يكن أبو ذر يرى في وحدته نهاية الطريق، بل كان يرى فيها تمام بشرى، ويوقن أن وعد رسول الله ﷺ آتٍ لا محالة. وبينما كانت أنفاسه تضعف، كان إيمانه يزداد رسوخًا، حتى جاءت اللحظة التي شهدت فيها الصحراء وفاء الوعد، ومرّ الركب الذي حمل معه الكفن والصلاة والدعاء.
إنها حكاية رجل عاش صادقًا، ومضى وحيدًا، لكنه لم يكن في الحقيقة وحيدًا؛ فقد كان معه يقين لا يتزعزع، وبشرى من رسول الله ﷺ، وسيرة بقيت شاهدة على أن من صدق مع الله، لا تضيعه وحشة الطريق، ولا تغلق في وجهه أبواب الرحمة.
“بكت زوجة الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وهو يحتضر في صحراء الربذة، فقال لها متعجبًا:
ــ “ما يبكيكِ؟”
قالت: “أبكي لأنك ستموت هنا في الصحراء، لا نجد ثوبًا نكفنك فيه، ولا أحدًا يصلي عليك.”
فقال لها مطمئنًا: “لا تبكي، فهذا ما بشرني به رسول الله ﷺ يومًا ما، فقد كنت مع جماعة من الصحابة، فدخل علينا النبي ﷺ وقال:
«سيموت رجل منكم في الصحراء، ويصلي عليه جماعة عظيمة من المؤمنين».
وقد مات جميع من كانوا معي، ولم يبقَ إلا أنا، فأنا المقصود بالبشرى.”
فقالت: “وماذا أفعل الآن؟”
فأجابها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: “ضَعيني علىٰ قارعة الطريق، فأول ركب يمر سيكون هم القوم الذين بشرني بهم رسول الله ﷺ، وسيصلّون عليّ بلا شك.”
وبعد قليل مرّ ركب قادم من العراق، فيه كبار الصحابة، ومنهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فسألوها:
ــ “ما يبكيكِ؟”
قالت: “هذا زوجي أبو ذر، قد مات ولا نملك كفنًا له.”
فتسابق الأنصار أيهم يكفنه في ثوبه، ثم كفنوه وصلّوا عليه جميعًا، ودعوا له بالجنة والمغفرة….
وتذكّر الصحابة يوم غزوة تبوك حين تأخر أبو ذر بعدما أعيا جمله، فتركه وأخذ يمشي وحده تحت لهيب الصحراء، تارة يركض وتارة يتعثر، يريد اللحاق برسول الله ﷺ…
فلما رآه النبي ﷺ من بعيد امتلأ وجهه بالبشر والسرور، وقال عنه كلمات خالدة أصبحت وسامًا من نور:
«يرحمك الله يا أبا ذر، تمشي وحيدًا، وتموت وحيدًا، وتُبعث يوم القيامة وحيدًا»….
أي: وحيدًا في تميزك وإخلاصك وخصالك الحميدة، وقد تحققت البشرى كما قال النبي ﷺ…
رضي الله عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري وأرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.



