لم يكن صباح أبوظبي هذا الصباح عاديًا مع إشراقة صوت نجاة الصغيرة فبين أروقة معرض أبوظبي الدولي للكتاب، حيث تتجاور الكلمات والكتب والحكايات، حضرت حكاية من زمن آخر.. حكاية امرأة ارتبط صوتها بذاكرة أجيال، واحتفظت الأغنية باسمها طويلًا في وجدان الناس.

كانت نجاة الصغيرة هناك.
ظهرت الفنانة القديرة بعد غياب، فبدت اللحظة وكأنها لقاء بين زمنين؛ زمن مضى وما زالت أغنياته حاضرة، وحاضر جاء ليستعيد شيئًا من جماله القديم.
لم يكن حضور نجاة مجرد ظهور لفنانة كبيرة في مناسبة ثقافية، بل كان أشبه بعودة صوت طالما سكن القلوب.. صوت القيثارة التي غنت للحب والشجن والإنسان، وتركت خلفها رصيدًا من الأغنيات التي لم تغادر ذاكرة جمهورها.
وفي الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، جاء الاحتفاء بها استثنائيًا، بعدما توجت بجائزة «شخصية العام الثقافية» ضمن فعاليات الدورة العشرين من جائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2026، تقديرًا لمسيرة فنية وثقافية امتدت عقودًا، وظل خلالها اسم نجاة حاضرًا في المشهد العربي.
في مركز «أدنيك أبوظبي»، اجتمع المثقفون والإعلاميون ومحبو الفن حول تلك اللحظة.
كانت العيون تبحث عن ملامح الفنانة التي عرفوها، وكانت الذاكرة تستدعي صوتًا قديمًا كلما أطلت نجاة أمام الحاضرين.
وحين جلست في الجلسة المخصصة لتكريمها، لم يكن التكريم لشخصها وحده، بل لمسيرة كاملة من الإبداع، ولأغنيات عبرت السنوات دون أن تفقد قدرتها على لمس القلب.

كان المشهد يحمل شيئًا من الوفاء..
وفاء جمهور لفنانة منحته من صوتها الكثير، ووفاء مدينة لفنانة جاءت إليها محملة بتاريخ طويل من الفن، ووفاء جيل جديد لذاكرة فنية ما زالت قادرة على أن تقول شيئًا جميلًا رغم مرور الزمن.
نجاة الصغيرة، التي اعتادت أن تترك صوتها يتحدث عنها، وجدت نفسها هذه المرة في قلب المشهد، محاطة بالتصفيق والامتنان.
وهكذا لم يكن صباح أبوظبي مجرد موعد لتكريم فنانة..
كان موعدًا مع الذاكرة.
موعدًا عادت فيه نجاة الصغيرة، ولو لساعات، إلى جمهور اشتاق إليها، فعادت معها أغنيات وذكريات وأيام لا تزال تعيش في وجدان من عرفوا صوتها، ليؤكد المشهد أن بعض الأصوات لا يغلبها الغياب، وأن بعض الفنانين لا يصبحون جزءًا من التاريخ فحسب، بل يصبحون جزءًا من ذاكرة الناس.

«نجاة الصغيرة.. ذاكرة الفن العربي»
ولم تكتفِ أبوظبي بأن تحتفي بنجاة الصغيرة بالتصفيق والتكريم، بل فتحت لها مساحة أخرى لاستعادة الحكاية من بدايتها، فجاءت الجلسة الحوارية التي حملت عنوان «نجاة الصغيرة.. ذاكرة الفن العربي»، أو «نجاة والعصر الذهبي للأغنية العربية»، لتكون رحلة هادئة في ذاكرة الفن، تستعيد فيها القيثارة محطات من مسيرة استثنائية امتدت عبر عقود.
وفي الجلسة التي أدارتها وحاورتها الدكتورة نشوة الرويلي، لم تكن نجاة مجرد ضيفة تستعيد ذكرياتها، وإنما بدت وكأنها تفتح نافذة على زمن كامل من الفن العربي؛ زمن كانت فيه الأغنية قصيدة، وكانت الكلمة تبحث عن لحن يليق بها، وكان الصوت قادرًا على أن يعبر من أذن المستمع إلى قلبه مباشرة.
توقفت الجلسة عند المحطات الفارقة في رحلة نجاة، وعند سنوات صنعت خلالها حضورًا فنيًا راسخًا في الموسيقى والسينما، وأسهمت في تشكيل وجدان أجيال كاملة. كما امتد الحوار إلى التحولات التي مرت بها الأغنية العربية، وما تبدل فيها من ملامح، وصولًا إلى المقارنة بين جيل العظماء والأجيال التي جاءت من بعده.
وكان في المشهد ما يتجاوز حدود الحوار..
فحين تُستعاد تجربة نجاة، تُستعاد معها أسماء وأصوات وقصائد وملحنون، ويعود إلى الواجهة ذلك العصر الذهبي الذي لم تكن فيه الأغنية مجرد لحن عابر، بل عملًا فنيًا يبقى في الذاكرة.
ولعل هذا هو أحد أسرار التكريم الذي منحته لجنة جائزة الشيخ زايد للكتاب لنجاة الصغيرة؛ إذ جاء تقديرًا لإسهاماتها البارزة في إثراء الأغنية العربية الحديثة، واعترافًا بمكانة فنانة لم تكتفِ بأن تغني، وإنما أسهمت في صناعة ذائقة فنية كاملة.
رأت اللجنة في نجاة مدرسة فنية متفردة، اجتمع فيها الإحساس المرهف مع دفء الصوت، لكنها توقفت أيضًا عند جانب أكثر عمقًا في تجربتها؛ ذلك الدور الذي لعبته في منح الأغنية العربية الفصحى حضورًا استثنائيًا، حين حملت القصيدة من صفحات الكتب إلى أصوات الناس وقلوب الملايين.
ومع كلمات كبار الشعراء، ومن بينهم نزار قباني وكامل الشناوي، أصبحت القصيدة بصوت نجاة شيئًا آخر.. لم تعد حروفًا مصفوفة على الورق، بل مشاعر تُسمع، وتُحس، وتعيش.
وهكذا، في أبوظبي، لم تكن نجاة الصغيرة تستعيد ذكريات الفن فحسب، بل كانت تستعيد زمنًا كاملًا..
زمنًا كانت فيه الأغنية قادرة على أن تصنع ذاكرة، والذاكرة قادرة على أن تهزم الغياب.
وكانت نجاة، في قلب تلك الحكاية، لا تزال كما عرفها جمهورها.. قيثارة هادئة، كلما عادت إلى الضوء، أعادت معها زمنًا من الجمال.



