الجمعة, 9 أكتوبر, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةأخبارمن الرؤية إلى الأثر.. حين تبدأ العمارة بالسؤال قبل أن تبدأ بالتصميم

من الرؤية إلى الأثر.. حين تبدأ العمارة بالسؤال قبل أن تبدأ بالتصميم

 

كتب- شوقي الشرقاوي

 

قبل أن يُحدَد أول خط، كانت هناك فكرة.. وقبل أن تتشكل ملامح أي مشروع، كان هناك سؤال يبحث عن قضية تستحق أن تُناقش، ومكان يستحق أن يُفهم، ومجتمع يستحق أن يكون حاضرًا في قلب التصميم.

بهذه الفلسفة انطلقت رحلة مشروعات التخرج ببرنامج التصميم المعماري والعمراني المستدام بكلية الفنون الجميلة بالزمالك – جامعة العاصمة، تحت عنوان «REGEN 01 | من الرؤية إلى الأثر – From Vision to Impact»؛ رحلة لم يكن هدفها أن ينتهي الطلاب إلى خمسة مشروعات فحسب، وإنما أن يصلوا إلى فهم أعمق لدور العمارة في قراءة الواقع، والاستجابة لاحتياجات المجتمع، وصناعة أثر يتجاوز حدود المبنى إلى المكان والإنسان.

وفي إطار اهتمام جامعة العاصمة بربط التعليم الأكاديمي بقضايا التنمية واحتياجات المجتمع، جاءت التجربة تحت رعاية الدكتور السيد قنديل، رئيس جامعة العاصمة، والدكتور ياسر محمد السيد، عميد كلية الفنون الجميلة، وبإشراف الدكتورة زينة الزين، مدير ومنسق برنامج التصميم المعماري والعمراني المستدام، لتقدم نموذجًا مختلفًا لمشروعات التخرج؛ نموذجًا يبدأ من الفهم قبل التصميم، ومن البحث قبل الرسم، ومن السؤال قبل الإجابة.

فلم تبدأ الحكاية من موقعٍ اختاره الطالب، ولا من مبنىٍ تخيله، وإنما بدأت من رؤية مصر 2030، وأهداف التنمية المستدامة، وخطط وأولويات التنمية في الدولة؛ بحثًا عن القضايا التي تمس الأقاليم والمدن المصرية، وتكشف احتياجاتها، وتفتح أمام العمارة والعمران مساحات حقيقية للتدخل والتغيير.

كان على الطلاب أولًا أن يقرأوا المكان قبل أن يصمموه؛ أن يفهموا الإقليم قبل المدينة، والمدينة قبل الموقع، والمجتمع قبل المبنى. فدرسوا البيانات والمؤشرات، وحللوا خطط التنمية، ورصدوا التحديات والفرص، وتعرفوا على احتياجات المستخدمين وأصحاب المصلحة، لتصبح كل فكرة معمارية نتيجة لمسار من البحث والتحليل، لا مجرد استجابة لشكل أو فراغ.

ومن هنا تبدلت نقطة البداية؛ فلم يعد السؤال: ماذا سنبني؟، بل أصبح: لماذا نبني؟ ولمن؟ وأين يمكن أن نصنع فرقًا؟

وعلى امتداد هذه الرحلة، تحولت العمارة من مجرد تصميم إلى أداة للفهم والاستجابة، وتحول المشروع من فكرة على الورق إلى محاولة جادة لمعالجة قضية واقعية، سواء ارتبطت بالتنمية الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئية، أو بجودة الحياة، أو باستدامة المدن والمجتمعات.

وهكذا انتقلت المشروعات في مسار متدرج وواضح:
من الرؤية إلى الإقليم، ومن الإقليم إلى المدينة، ومن المدينة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الموقع، ومن الموقع إلى العمارة.. ومن العمارة إلى الأثر.

ولذلك لم تتوقف المناقشات عند الواجهات والمخططات والتفاصيل التصميمية، بل امتدت إلى ما هو أعمق: لماذا اتُخذ هذا القرار؟ وما القضية التي يستجيب لها المشروع؟ وما الأدلة التي يستند إليها؟ وكيف يرتبط بأولويات التنمية؟ وما الأثر الذي يمكن أن يتركه في المكان والمجتمع؟

ففي REGEN 01 لم يكن التحدي أن يصمم الطالب مشروعًا جميلًا فحسب، وإنما أن يمتلك القدرة على الدفاع عن فكرته، وتبرير قراراته، وربط تصميمه بسياقه، وتحويل المعرفة والبحث إلى رؤية قابلة لأن تصنع أثرًا.

وفي ختام الرحلة، جاءت خمسة مشروعات تخرج تحمل في ظاهرها اختلاف المواقع والأفكار، لكنها تلتقي في جوهر واحد: الإيمان بأن العمارة تبدأ من الإنسان، وتنطلق من المكان، وتستند إلى المعرفة، وتبحث في النهاية عن أثر حقيقي.

إن قيمة هذه التجربة لم تكن في المشروعات الخمسة وحدها، بل في الرحلة التي صنعتها؛ رحلة أعادت تعريف المشروع المعماري بوصفه سؤالًا قبل أن يكون إجابة، وبحثًا قبل أن يكون رسمًا، ورؤية قبل أن يكون مبنى، وأثرًا قبل أن يكون شكلًا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات