الجمعة, 9 أكتوبر, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةفنونكريمان.. نجمة اختارت دفء البيت على بريق الشهرة

كريمان.. نجمة اختارت دفء البيت على بريق الشهرة

الصورة الأخيرة لأم قبل أن تكون نجمة
الصورة الأخيرة لأم قبل أن تكون نجمة

في زمنٍ كانت فيه أضواء السينما تلمع فوق وجوهٍ أصبحت نجمة جزءًا من ذاكرة المصريين، اختارت فنانة شابة أن تمضي في طريق مختلف.. طريق لم تكن نهايته تحت أضواء الاستديوهات، ولا على خشبة المسرح، وإنما داخل بيت هادئ، إلى جوار أسرتها.

كانت كريمان واحدة من الوجوه التي حملت ملامح زمن الفن الجميل؛ وجهًا يجمع بين البراءة والدلال وخفة الظل، وصوتًا عرف طريقه إلى الإذاعة، وموهبة فتحت لها أبواب السينما والمسرح وهي لا تزال في مقتبل العمر.

لكن الحكاية لم تنتهِ كما اعتاد الجمهور أن تنتهي حكايات النجمات.. فلم يكن الاعتزال بالنسبة إليها انكسارًا، ولا تراجعًا عن حلم، وإنما كان اختيارًا شخصيًا لحياة أخرى رأت فيها ما يستحق أن تمنحه بقية عمرها.

طفلة صغيرة أمام ميكروفون «بابا شارو»

ولدت كريمان محمد سالم في القاهرة في 18 ديسمبر 1936، لأسرة ذات جذور لبنانية من ناحية الأب، وأصول مصرية تركية من ناحية الأم. ومنذ طفولتها المبكرة، كانت علامات الموهبة تظهر بوضوح في شخصيتها.

درست في مدرسة الليسيه، ولم تنتظر حتى تكبر لتطرق باب الفن؛ فقد ظهرت طفلة في برامج الأطفال بالإذاعة مع الإذاعي الشهير «بابا شارو»، الذي تنبه إلى موهبتها مبكرًا. كما شاركت في المسرح المدرسي، ومن بين الأعمال التي قدمتها في تلك المرحلة «قيصر وكليوباترا».

كان الفن بالنسبة إلى كريمان في بدايته مساحة للموهبة واللعب واكتشاف الذات، قبل أن يتحول شيئًا فشيئًا إلى مهنة تأخذها من طفولة المدرسة إلى عالم السينما الذي كان في ذلك الوقت يعيش واحدة من أكثر مراحله ازدهارًا.

من فتاة صغيرة إلى نجمة في سماء السينما

دخلت كريمان عالم السينما في خمسينيات القرن الماضي، وبدأت رحلة لم تكن طويلة بالسنوات، لكنها كانت غنية بالأعمال والشخصيات.

قدمت أدوارًا تنوعت بين الفتاة المدللة، والبريئة، والزوجة، والموظفة، والشخصية الأرستقراطية، حتى أصبحت ملامحها مألوفة لدى جمهور تلك الفترة.

ومن أشهر الأفلام التي بقيت مرتبطة باسمها «الحموات الفاتنات»، و«بنات اليوم»، و«تمر حنة»، و«سكر هانم»، و«الفانوس السحري»، و«جميلة بوحريد»، و«مراتي مدير عام». كما شاركت في أعمال مسرحية، وكانت لسنوات ضمن فرقة إسماعيل ياسين المسرحية.

وفي كل شخصية كانت تترك شيئًا من روحها، حتى وإن لم تكن من صاحبات الرحلات الفنية الطويلة. وربما كان سر بقائها في الذاكرة أن حضورها لم يكن صاخبًا، وإنما كان يحمل ذلك النوع من الجمال الهادئ الذي لا يحتاج إلى كثير من الكلام.

والدها.. الحارس الذي رافق خطواتها الأولى

وراء الفنانة الشابة كان هناك أب شديد الحرص عليها.

ففي بداياتها، كان يصطحبها إلى الاستديو أثناء التصوير، وينتظر حتى تنتهي من عملها ليعود بها إلى المنزل، في صورة إنسانية تختصر جانبًا من علاقة الأسرة بابنتها التي بدأت تخطو أولى خطواتها في عالم الشهرة.

وربما كانت تلك الرعاية المبكرة أحد الخيوط التي ظلت حاضرة في شخصيتها فيما بعد؛ فحتى بعدما أصبحت نجمة يعرفها الجمهور، ظلت كريمان أقرب إلى الحياة الخاصة منها إلى صخب الوسط الفني.

حين قالت كريمان: «ابني محتاجني أكثر من الفن»

ثم جاءت اللحظة التي يصعب على كثير من الفنانين اتخاذها..

لحظة أن يقول الإنسان للشهرة: شكرًا.. ويغلق الباب.

تزوجت كريمان من خارج الوسط الفني، وأنجبت ابنها الوحيد شيرين، وبعد الزواج والإنجاب قررت أن تمنح حياتها الخاصة وأسرتها الأولوية.

وبعد أكثر من نصف قرن على ابتعادها عن الفن، كشفت كريمان في حوار نادر عام 2020 عن السبب الحقيقي وراء قرارها، مؤكدة أنها كانت بطبيعتها «بيتوتية» وغير مندمجة كثيرًا في الوسط الفني، وأنها قررت الاعتزال بعدما شعرت بأن ابنها يحتاج إليها أكثر من الفن.

لم تتحدث عن الاعتزال باعتباره خسارة، بل على العكس، أكدت أنها لم تندم على قرارها، وأن حياتها الأسرية كانت مستقرة وناجحة.

وهنا تبدو الحكاية أكثر إنسانية من كونها مجرد قصة فنانة اعتزلت..

فكريمان لم تكن تهرب من الفن، وإنما كانت تختار شيئًا آخر تحبه.

نجمة اختفت.. لكنها لم تُنسَ

مرت السنوات، وتغيرت الوجوه، وجاءت أجيال جديدة إلى الشاشة، بينما بقيت كريمان بعيدة عن الأضواء.

لم تسعَ إلى العودة، ولم تحاول أن تستثمر شهرتها القديمة في حضور جديد. عاشت بعيدًا عن صخب الإعلام، حتى أصبح ظهورها النادر حدثًا يستعيد معه الجمهور صورة فتاة جميلة من زمن السينما الأبيض والأسود.

وفي حوارها النادر، تحدثت أيضًا عن حياتها بعد الاعتزال، وكشفت أنها أصبحت جدة لأربعة أحفاد، بينما ابتعد ابنها شيرين عن مجال الفن.

وبدا واضحًا أن النجمة التي كانت يومًا تحت الأضواء أصبحت ترى مجدها الحقيقي في مكان آخر.. في الأسرة، وفي الأبناء، وفي الأحفاد، وفي تفاصيل الحياة اليومية التي لا تراها الكاميرات.

الصورة الأخيرة لأم قبل أن تكون نجمة

ولهذا تحمل الصور العائلية النادرة لكريمان معنى مختلفًا..

فحين تظهر الفنانة داخل منزلها إلى جوار ابنها، لا تبدو أمامنا نجمة سينمائية فحسب، وإنما أم اختارت أن تترك جزءًا كبيرًا من حياتها للفن، ثم اختارت أن تمنح الجزء الأكبر من عمرها لعائلتها.

وربما كانت هذه هي المفارقة الأجمل في قصتها:

أن امرأة عاشت سنوات تحت الأضواء، اختارت في النهاية أن تعيش بعيدًا عنها.

أن نجمة كانت تستطيع أن تواصل طريق الشهرة، قررت أن تبحث عن سعادتها في بيتها.

وأن الفنانة التي أحبها الجمهور على الشاشة، أرادت أن تعيش حياتها الحقيقية بعيدًا عن الشاشة.

النهاية الهادئة لحكاية امرأة لم تندم

في 12 سبتمبر 2023، رحلت كريمان عن عالمنا عن عمر ناهز 86 عامًا، بعد مسيرة فنية قصيرة نسبيًا، لكنها تركت خلالها عددًا من الأعمال التي ما زالت حاضرة في ذاكرة جمهور السينما المصرية.

رحلت المرأة التي عرفت الشهرة ثم اختارت أن تبتعد عنها، تاركة خلفها سؤالًا ربما لا يخص الفن وحده:

هل النجاح هو أن تبقى دائمًا تحت الضوء؟

أم أن النجاح أحيانًا أن تعرف متى تنسحب، ومتى تختار ما يمنح حياتك معنى آخر؟

كريمان اختارت..

اختارت الأسرة حين كان بإمكانها اختيار المزيد من الشهرة، واختارت الهدوء حين كان بإمكانها أن تظل في قلب الضجيج.

ولهذا، بعد سنوات من رحيلها، لا تعود صورتها إلى الناس باعتبارها صورة فنانة قديمة فحسب، وإنما باعتبارها حكاية امرأة عرفت بريق الأضواء، ثم أدارت ظهرها له بهدوء، ومضت تبحث عن دفء البيت.

وربما لهذا السبب تحديدًا.. لم تختفِ كريمان من الذاكرة.

فبعض النجوم يعيشون طويلًا على الشاشة، وبعضهم يعيش طويلًا في القلوب.

وكريمان.. اختارت أن تعيش في الاثنين.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات