الجمعة, 9 أكتوبر, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةفنونغابت الأضواء عنهم| «صاحبة السعادة» تطرق أبواب نجوم الزمن الجميل من منحوا...

غابت الأضواء عنهم| «صاحبة السعادة» تطرق أبواب نجوم الزمن الجميل من منحوا الفن أعمارهم في دار رعاية كبار الفنانين

في أماكن كثيرة، تنتهي الحكايات عندما تنطفئ الكاميرات، ويغادر الجمهور مقاعده، وتُسدل الستارة على آخر مشهد لكن في دار رعاية كبار الفنانين اكتشفت «صاحبة السعادة» أن بعض الحكايات لا تنتهي أبدًا.

هناك، حيث لم تعد الأضواء هي التي ترسم ملامح المكان، وحيث تبدلت خشبة المسرح بغرف هادئة وممرات تحمل في جدرانها ذاكرة سنوات طويلة، دخلت إسعاد يونس لا كإعلامية تحمل أسئلة، وإنما كفنانة جاءت لتجلس إلى جوار فنانين يعرفون جيدًا معنى أن تمنح عمرك للفن.

كانت زيارة مختلفة..

لم تأتِ إسعاد يونس لتسأل عن فيلم جديد، أو مسلسل قادم، أو عن أسرار الشهرة، وإنما جاءت لتسأل عن الإنسان الذي بقي بعد أن غادرت الشهرة.

جلست أمام وجوه ربما تغيرت ملامحها بفعل السنوات، لكن شيئًا واحدًا لم تستطع السنوات أن تنتزعه منها: ذاكرة الفن.

محيي إسماعيل، ونبيل نور الدين، وكوثر مصطفى، وفاتن الحلو، وجمال صالح، وحمدي العربي، وغيرهم ممن حملوا الفن يومًا على أكتافهم، فتحوا مع إسعاد أبوابًا من الذاكرة، واستعادوا مشوارًا طويلًا من البدايات والأحلام والأدوار والوقوف أمام الكاميرات.

وبدا المشهد، في جوهره، أكبر من مجرد حلقة تلفزيونية.

كان أشبه بزيارة إنسانية إلى زمن كامل.

زمن كانت فيه الشهرة حلمًا، وكان المسرح بيتًا، وكانت الكاميرا صديقة، وكان الفنان يخرج إلى جمهوره ليمنحه شيئًا من روحه، دون أن يعرف أن السنوات ستمر سريعًا، وأن الأضواء ستخفت يومًا، وأن الجمهور الذي اعتاد أن يراه شابًا سيعود ليبحث عنه في ملامح رجل أنهكته السنوات.

وهنا كانت قيمة الزيارة..

أن يتذكر الناس أن وراء كل صورة قديمة إنسانًا، ووراء كل مشهد شاهدناه عشرات الساعات من التعب، ووراء كل ضحكة أطلقها فنان على الشاشة عمرٌ كامل من العمل والانتظار والأمل.

ولعل أكثر ما يوجع القلب في حكاية هؤلاء الفنانين أن الجمهور كثيرًا ما يحتفظ بالشخصية وينسى صاحبها.

نتذكر الدور..

نتذكر المشهد..

نتذكر الإفيه..

نتذكر الأغنية..

لكننا ننسى أن صاحب كل ذلك كان إنسانًا يكبر مثلنا، ويحتاج في آخر الطريق إلى يد تمتد إليه، وصوت يسأل عنه، ووجه يعرفه ولا يمر بجواره كأنه لا يراه.

ومن هنا جاءت «صاحبة السعادة» لتعيد الإنسان إلى الصورة.

أن تجلس إسعاد يونس مع هؤلاء الفنانين داخل دار الرعاية، وأن تستمع إلى ذكرياتهم وحياتهم الحالية، هو في حد ذاته رسالة تقول إن الفنان لا ينبغي أن يُختصر في آخر سنوات عمره، ولا أن تُمحى سنوات عطائه بمجرد ابتعاده عن الأضواء.

وربما كان المشهد الأكثر إنسانية هو ذلك التناقض الصامت بين الماضي والحاضر..

في الماضي كانت الأضواء تبحث عنهم.

أما اليوم، فقد جاءت الأضواء إليهم.

في الماضي كانوا ضيوفًا على الشاشات.

أما الآن، فقد أصبحت الشاشة ضيفة عليهم.

وفي الماضي كان الجمهور ينتظر ظهورهم.

واليوم، جاءت إسعاد يونس لتقول لهم، بطريقة تحمل الكثير من الدفء:

ما زلنا نتذكركم.

ولم تكن الحلقة مجرد استعادة لذكريات الفن، وإنما محاولة للاقتراب من تفاصيل الحياة داخل الدار، بعيدًا عن الشخصيات التي عرفها الجمهور على الشاشة. وقد حملت اللقاءات مزيجًا من استعادة الماضي والحديث عن الحاضر، في مشهد جمع بين الفن والذاكرة والجانب الإنساني.

حتى أشرف زكي، الذي ظهر ضمن الحلقة، كان حضوره متصلًا بفكرة الدار نفسها ودورها في رعاية الفنانين، ليصبح المشهد كله أقرب إلى حديث عن مسؤولية المجتمع تجاه من منحوا الفن سنوات من أعمارهم.

ويبقى السؤال الذي تتركه هذه الزيارة في القلب:

ماذا نفعل مع الذين صنعوا ذاكرتنا؟

ربما لا نملك أن نعيد إليهم شبابهم.

ولا نستطيع أن نوقف عقارب الزمن.

لكننا نستطيع أن نفعل شيئًا بسيطًا جدًا..

أن نتذكرهم.

أن نسأل عنهم.

أن نحتفي بهم وهم بيننا، لا أن ننتظر رحيلهم حتى نكتشف فجأة أنهم كانوا جزءًا من أرواحنا.

فالفنانون الذين جلسوا في دار الرعاية لم يعيشوا حياة عادية؛ لقد تركوا من أعمارهم قطعًا صغيرة في وجدان أجيال كاملة.

وإذا كانت الشهرة تمنح الفنان لحظة من الضوء، فإن الوفاء يمنحه شيئًا أبقى:

أن يشعر، بعد كل هذه السنوات، أنه لم يكن عابرًا في حياة الناس.

ولهذا بدت زيارة إسعاد يونس أكثر من حلقة في برنامج.

كانت زيارة ابنة إلى ذاكرة جيل..

وكانت تحية متأخرة، لكنها جميلة، لمن وقفوا طويلًا تحت الأضواء، ثم وجدوا في آخر الطريق من يطرق بابهم ويقول:

لسنا قد نسيناكم.. فما زالت حكاياتكم تعيش بيننا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات