عم محمد لم يكن يعلم أن صلاة المغرب التي أصر على أدائها إمامًا داخل غرفة الإنعاش ستكون آخر صلاة له في الدنيا، ولم يكن الممرض الذي وقف إلى جواره يعلم أن تلك اللحظات القليلة ستتحول إلى حكاية يتناقلها الناس، ويدعون لصاحبها قبل أن يغادر الحياة.
كان «عم محمد» مريضًا، جسده أنهكه المرض، وأنفاسه أصبحت أكثر ثقلًا، لكنه في تلك الليلة لم يسمح للمرض أن يحول بينه وبين الصلاة.
حل موعد المغرب، فطلب أن يصلي.
وفي غرفة الإنعاش، حيث الأجهزة تحيط بالمرضى، وصوت النبض يختلط بصمت المكان، وقف عم محمد ليؤدي الصلاة، وأصر أن يكون هو الإمام، بينما وقف الممرض إلى جواره مأمومًا.
لم تكن هناك سجادة فاخرة، ولا مسجد واسع، ولا صفوف من المصلين… فقط رجل أنهكه المرض، وممرض قرر أن يقف معه، وربما كانت السماء وحدها تعرف أن هذه الصلاة ستكون الأخيرة.
انتشرت صورة عم محمد وهو يصلي، وتحولت اللحظة الإنسانية البسيطة إلى قصة لامست قلوب الناس على مواقع التواصل الاجتماعي.
بدأت الدعوات تنهال له من أناس لا يعرفونه، ولم تجمعهم به صلة سوى تلك اللحظة التي رأوه فيها متمسكًا بالصلاة رغم ضعفه.
«ربنا يشفيه».. «ربنا يقومه بالسلامة».. «اللهم اشفه»…
دعوات كثيرة خرجت من قلوب لا تعرف الرجل، لكنها أحست به.
واليوم، رحل عم محمد عن عالمنا.
رحل بعدما أراد القدر لحكايته أن تصل إلى آلاف الناس، وربما إلى ملايين القلوب، ليكون آخر ما يحيط باسمه قبل الرحيل ليس ضجيج الدنيا، وإنما الدعاء.
كم هو غريب وجميل أن يكتب الإنسان نهايته دون أن يدري…
أن تكون آخر صورة له في ذاكرة الناس وهو واقف يصلي.
وأن تكون حكايته سببًا في أن يرفع غرباء أيديهم إلى السماء من أجله.
لم يكن عم محمد يعرف أن تلك الصلاة ستبقى شاهدة على لحظاته الأخيرة، وأن الممرض الذي وقف خلفه سيحمل معه ذكرى لا تُنسى، وأن صورة رجل مريض يصلي داخل غرفة الإنعاش ستفتح له أبوابًا من الدعاء لم يكن يتوقعها.
رحل عم محمد اليوم…
لكن حكايته لم ترحل.
فقد ترك خلفه لحظة صادقة، وذكرى طيبة، وآلاف الدعوات من أناس لم يلتقوه يومًا.
اللهم ارحم عم محمد رحمة واسعة، واغفر له، واجعل صلاته التي أصر عليها في لحظاته الأخيرة نورًا له، واجعل كل دعوة خرجت له من قلب إنسان لا يعرفه في ميزان حسناته.
رحم الله رجلًا أراد أن يصلي… فكتب الله لحكايته أن تصل إلى الناس جميعًا قبل أن يغادر الدنيا.



