الأربعاء, 7 أكتوبر, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةرأىد. نجلاء سلام تكتب: هل ما زال تعليمنا قادرًا على صناعة المستقبل؟

د. نجلاء سلام تكتب: هل ما زال تعليمنا قادرًا على صناعة المستقبل؟

هل ما زال تعليمنا قادرًا على صناعة المستقبل؟ تساؤل بات يطرح نفسه على أثر واقعة محافظ القليوبية وجولاته التفقدية التى أثارت الرأى العام خلال الفترة الماضية.

كانت مجرد زيارة تفقدية لعدد من مدارس القليوبية، لكنها تركت خلفها أسئلة أكبر بكثير من حدود الجولة وأسماء من ظهروا فيها.. مشاهد انتشرت على مواقع التواصل، وتعليقات انشغلت بأداء المحافظ، وأخرى أشادت بمديرة مدرسة، وثالثة توقفت عند مظهر مدير أو قرار إداري بحقه.. وبين كل هذا الجدل، بدا أن السؤال الأهم كاد يضيع: ماذا تقول لنا هذه المشاهد عن حال المدرسة المصرية؟

فالمدرسة ليست مبنى نمر عليه في جولة، ولا مديرًا يحاسب، ولا مسؤولًا يتفقد. المدرسة هي المكان الذي يقضي فيه الطفل سنوات من عمره، ومنها تتشكل علاقته بالعلم والمعرفة والوطن والمستقبل. ولذلك فإن أي مشهد يكشف ضعفًا في بيئتها أو خدماتها يجب ألا يمر باعتباره واقعة عابرة، بل يستحق أن يكون مدخلًا لمراجعة حقيقية لجودة التعليم الذي يحصل عليه أبناؤنا.

فكيف نريد طالبًا قادرًا على التفكير والإبداع والمنافسة، بينما ما زالت بعض المدارس تواجه تحديات في أبسط مقومات البيئة التعليمية؟ أين المعامل المجهزة، وأجهزة الحاسب، والمكتبات، والأنشطة، والإنترنت؟ وأين الأثاث الملائم، والصيانة المنتظمة، والمياه النظيفة، ودورات المياه الآمنة، والبيئة التي تحفظ للطالب والمعلم كرامته وأمانه؟

والأخطر أن القضية لا تتعلق بالبنية الأساسية وحدها، وإنما بمنظومة تحتاج إلى رؤية واضحة وتخطيط طويل المدى وتنمية مهنية حقيقية للمعلمين، وإعداد قيادات قادرة على التطوير، واكتشاف الكفاءات وتأهيل الصف الثاني من القيادات.

وفي الوقت الذي يتقدم فيه العالم بسرعة نحو الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي واقتصاد المعرفة، يصبح من الصعب أن نتحدث عن إعداد جيل قادر على المنافسة العالمية بينما لا تزال بعض مدارسنا تكافح من أجل توفير احتياجات أساسية يفترض أن تكون محسومة.

ولا تعني مشاهد مدرسة أو محافظة أن منظومة التعليم المصرية بأكملها تعاني المستوى نفسه، فهناك تجارب ناجحة ومعلمون يبذلون جهودًا كبيرة. لكن تكرار المشاهد التي تكشف فجوات في البيئة التعليمية يجب أن يدفعنا إلى النظر للصورة الأوسع، وقياس جودة التعليم من داخل الفصل: ماذا يتعلم الطفل؟ وكيف يتعلم؟ وما المهارات التي يكتسبها؟ وهل تمنحه المدرسة فعلًا الأدوات التي يحتاج إليها لمستقبل مختلف؟

والاعتراف بالمشكلة ليس نهاية الطريق، بل بدايته. والإصلاح لا يحتاج فقط إلى قرارات وقتية مرتبطة بزيارة مسؤول، وإنما إلى خطة معلنة بمؤشرات قابلة للقياس تبدأ بحصر احتياجات كل مدرسة على حدة، ووضع أولويات عاجلة للبنية الأساسية والصحة والسلامة، مع تخصيص موازنات واضحة للصيانة الدورية، بدلًا من انتظار أن تتحول المشكلات الصغيرة إلى أزمات كبيرة.

نحتاج كذلك إلى إعادة الاعتبار للمعلم، ليس بالشعارات، وإنما بتدريب مهني مستمر مرتبط باحتياجاته الفعلية، ونظام واضح للحوافز والتقييم والتقدم الوظيفي، إلى جانب اختيار القيادات التعليمية وفق معايير الكفاءة والقدرة على الإدارة والتطوير، وإعداد صف ثانٍ من القيادات داخل المدارس والإدارات التعليمية.

ويجب أن تصبح المكتبة والمعمل والنشاط الرياضي والفني والتكنولوجيا جزءًا أساسيًا من اليوم المدرسي، لا عناصر هامشية، مع توسيع استخدام الموارد الرقمية وإتاحة الإنترنت بصورة عادلة، وربط ما يتعلمه الطالب بالمهارات التي يحتاجها في سوق العمل والحياة.

والأهم أن ننتقل من ثقافة التفتيش على الأخطاء إلى ثقافة قياس جودة التعليم؛ بحيث تكون هناك مؤشرات دورية وشفافة لقياس مستوى المدرسة، تشمل البيئة التعليمية، وحضور المعلمين، ومستوى التحصيل، والأنشطة، والصحة والسلامة، ورضا الطلاب وأولياء الأمور، مع نشر النتائج ومحاسبة المسؤول عن التقصير ومكافأة المدرسة التي تحقق تحسنًا حقيقيًا.

المسألة في النهاية ليست خلافًا حول محافظ أو مدير أو مديرة، وإنما حول طفل يدخل المدرسة اليوم، ليخرج منها بعد سنوات حاملًا ما تعلمه منها إلى المجتمع كله.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:

هل ما نقدمه لأبنائنا داخل مدارسنا اليوم يكفي لصناعة المستقبل الذي نريده لمصر؟

الإجابة لن تأتي من التقارير وحدها، ولا من جولات المسؤولين، ولا من حملات التواصل الاجتماعي. ستأتي عندما تتحول كل مدرسة إلى مشروع حقيقي لبناء الإنسان، وعندما يصبح لكل طفل حق فعلي في تعليم آمن وجيد وعصري، بصرف النظر عن موقع مدرسته أو ظروف أسرته.

فالمسؤولون يتغيرون، والقرارات تتبدل، والجولات تنتهي، لكن ما يتشكل داخل عقل الطفل يبقى معه مدى الحياة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات