الإثنين, 5 أكتوبر, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةرأىد أميرة المهدي تكتب| و إنكسرت مرآة التسامح المصرية

د أميرة المهدي تكتب| و إنكسرت مرآة التسامح المصرية

إنكسرت مرآة التسامح المصرية .. حينما تتراجع قيم التسامح أمام ضغوط الواقع لا يمكن لعين منصفة أو راصد متخصص أن تتغافل عن النبرة الحادة التي باتت تتسلل إلى السلوكيات اليومية في الشارع المصري. إن المشاهد المأساوية التي تتناقلها الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، والتي تتنوع بين عنف أسري غير مسبوق وجرائم تدور في فلك الانفعال اللحظي وغياب الضمير، لم تعد مجرد حوادث فردية عابرة يمكن إدراجها تحت بند “الشذوذ الإحصائي”، بل أضحت مؤشراً لدق ناقوس الخطر حول ما يشهده البناء الاجتماعي من تغيرات عميقة.

د أميرة المهدي
د أميرة المهدي

لقد استندت “الشخصية المصرية” عبر تاريخها العريق -وفق أدبيات علم الاجتماع وصياغات رواد الفكر والتحليل الديموغرافي- إلى قيم الاستقرار والتقبل والتسامح؛ وهي صفات نبتت من بيئة نهرية زراعية كفلت للمجتمع نسقاً من التضامن والأمان الجمعي. إلا أن العقود الأخيرة فرضت تحولات بنكية ومتسارعة أدت إلى ظهور نواتج سلوكية تتسم بالعنف وتبريره، فيما يشبه “الاضطراب السلوكي الجمعي”.
تتعدد الأسباب الكامنة وراء هذا التحول؛ إذ لا يمكن إرجاعه إلى عامل منفرد، بل هو نتاج لتراكمات معقدة مثل تراجع الدور التربوي والقدوة بسبب خبو الدور المحوري للأسرة والمؤسسات المجتمعية الثقافية لصالح نمط حياة سريع يتضاءل فيه الإرشاد القيمى.
وايضاً الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وما تفرضه متطلبات الحياة المعاصرة من شحن نفسي ومادية مفرطة تحول العلاقات الإنسانية إلى صراع مستمر للحصول على الموارد أو تجنب الخسائر.
كما ان التطبيع الإعلامي والرقابة الذاتية من حيث انتشار أنماط درامية تعتمد العنف مادة للتشويق، بالتوازي مع “سطوة التريند” التي تمنح الجريمة والممارسات المنحرفة مساحة للانتشار والاعتياد، مما أدى إلى تآكل الرفض الوجداني للسطوة والعدوان.
كذلك غياب التبرير العقلاني فإن أخطر ما يواجه المجتمع اليوم ليس ارتكاب الجريمة في حد ذاته، بل محاولة قطاعات من الجمهور “تسويغ” العنف وتبني دوافعه، وهو ما يعكس خللاً في سلم القيم والأخلاق.
إن حماية النسيج المجتمعي من الوقوع في دائرة الفوضى السلوكية تتطلب مواجهة شاملة تتجاوز الردع القانوني -على أهميته الحاسمة- لتصل إلى تقويم السلوك وإعادة بناء الإنسان.
إن استعادة التوازن النفسي والفضائلي للمجتمع تستلزم استراتيجية وطنية تتضافر فيها جهود المؤسسات التعليمية، والإعلامية، والدينية، والثقافية، لإحياء قيم التسامح، وسيادة القانون، وإعلاء السلام الاجتماعي فوق أي اعتبار.
سؤالي الآن هل تعتقدون أن البدء بمبادرات إصلاح الخطاب الإعلامي والدرامي سينتج أثراً سريعاً، أم أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة الضغوط الاقتصادية والتربوية أولاً؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات