الجمعة, 11 سبتمبر, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةرأىد. أميرة المهدي تكتب| فخ "الباب الموارب"

د. أميرة المهدي تكتب| فخ “الباب الموارب”

د. أميرة المهدي تكتب| فخ “الباب الموارب”

د. أميرة المهدى
د. أميرة المهدى

في المشهد الدرامي الشهير، نطقت الفنانة القديرة #عبلة_كامل بكلمات لم تكن مجرد نصٍّ مكتوب في سيناريو، بل كانت تشريحًا عميقًا للنفس البشرية عندما تضل الطريق. قالت بيقين ومرارة: (أنا كنت سعيدة وراضية، هو اللي فَقَد نعمة الرضا.. هو وارب الباب للشيطان فَـزهّقه من السكينة والرحمة).
اختصرت هذه الكلمات القليلة صراعًا واقعيًا يعيشه الكثيرون؛ صراعًا يبدأ بالملل، وينتهي بالندم، مرورًا بخديعة كبرى يصنعها الإنسان لنفسه بوعي أو بدون وعي.
الإنسان في طبيعته يميل إلى الاستقرار، لكن حين يستسلم للرتابة، يدخل “شيطان التفاصيل” من الأبواب المواربة عبر ما يُسمى بـ”طاقة السحب” هذه الطاقة لا تقتصر على شكل واحد، بل تتجسد في نماذج حياتية تتكرر يوميًا:
مثال على خراب البيوت الآمنة حيث نجد الزوج الذي يعيش في بيت مستقر مع زوجة طيبة وأبناء كالملائكة، لكنه يقع في فخ “الملل”. يوارب الباب لمقارنات السوشيال ميديا، فيرى أن حياته باهتة. تسحبه امرأة أخرى تُظهر له اهتماماً مزيفاً، فيرى فيها “التجديد”، ويهدم بيته بيديه بحثاً عن شغف وهمي.
او مثال مهني مثل سراب الثراء السريع يتجلى في الموظف الذي يمتلك وظيفة آمنة ودخلاً مستوراً، لكنه يزهد في هذه النعمة بعد أن يرى قشور الثراء لدى الآخرين. يُساق وراء وعود “أشخاص غير أسوياء” يجرونه لشركات وهمية أو مشاريع مشبوهة، فيترك أمانه المهني ليجد نفسه في النهاية بلا عمل وبلا غطاء مالي.
او اجتماعياً كالصداقات المسمومة نراها في الشخص الذي يمتلك أصدقاء أوفياء نشأ معهم على الفضيلة والرحمة، فيملّ نقدهم البنّاء ونصائحهم الصادقة. يسحبه “شيطان العِشرة” نحو رفقة جديدة تصفق لعيوبه وتزين له الخطأ، ليعيش وهجاً مزيفاً من القبول الاجتماعي.
الخطورة في هذه المنزلقات أن “شيطان النفس” لا يترك الضحية فورًا، بل يسحبها خطوة تلو الأخرى إلى الأعماق. وبعد أن يغرق الإنسان في التغيير الوهمي، وتلاشت السكرة وحضرت الفكرة، تأتي الصفعة الأولى من أولئك الذين ظنهم طوق النجاة.
حين يستيقظ ذلك الزوج ليجد أن “الشغف الجديد” قد تحول إلى جحيم من الأنانية والابتزاز، وحين يستيقظ الموظف على خسارة تحويشة عمره، وحين يكتشف المرء أن صديقه الجديد كان أول من طعنه في ظهره؛ هنا فقط، يقف وحيدًا مذهولاً في “الغميق” متسائلاً بمرارة:”ما الذي جلبني إلى هنا؟”
إن خسارة الاستقرار من أجل وهم التجديد هي التجارة الخاسرة التي يدفع الإنسان عمره ونفسه ثمنًا لها.

الرضا ليس حالة خمول أو استسلام، بل هو حصن نفسيّ ذكي يحمي الإنسان من التشتت. السكينة والرحمة اللتان تملآن بيوتنا وقلوبنا هما رزق عظيم يتطلب الشكر والمقاومة للحفاظ عليهما.
الحق نفسك قبل السقوط؛ فالطريق الذي ليس فيه رجوع يبدأ بخطوة صغيرة من عدم الرضا والتمرد غير المحسوب. تأمل تفاصيل حياتك الجميلة، انظر لأولئك الذين يحبونك بصدق، واعلم أن التغيير الحقيقي يكون بتطوير الذات داخل الحصن، وليس بهدم الحصن والوقوع في العراء. اغلقوا الأبواب في وجه شياطين الإنس والجن، وتمسكوا بنعمة الرضا.. قبل أن تدفعوا ثمنًا لا تطيقونه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات