الإثنين, 17 أغسطس, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةرأىد أميرة المهدي تكتب: على مقاعد الشغف من جديد

د أميرة المهدي تكتب: على مقاعد الشغف من جديد

أن تعود إلى مقاعد الدراسة بعد عقدين من الزمن ليس مجرد قرار أكاديمي، بل هو رحلة شاقة في دروب الروح.
تولد الفكرة حين تدفعك أمومتك قبل طموحك وتجد نفسك تحث الخطيّ لتسجيل درجة الماجستير في فرع هندسي جديد تماماً لم تدرسه من قبل، فقط لتكون سنداً وعوناً لابنك البكر من ذوي الهمم وهو يخطو خطواته الأولى في أروقة الجامعة.
حينها، يستيقظ ذلك الشعور القديم؛ ذلك الترقب والشغف الطفولي لمعرفة أسماء الأساتذة وطبيعة مواد الهندسة الجديدة ، شعورٌ ظننتُه انطفأ تحت ركام السنين والمسؤوليات كأم، لكنه انبعث مجدداً كشمس تعاند المغيب.
في هذه الرحلة، تتكشف لك حقائق لم تكن بالحسبان، لطالما ساد ظنٌ بأن الجامعات الحكومية تعاني الجفاف مقارنة بالخاصة، لكن التجربة أثبتت العكس؛ فقد وجدنا في قاعات الجامعات الحكومية دكاترة يحترقون لِيُضيئوا، يمنحون الطالب من علمهم ووقتهم ألفاً بالمائة، يحيطونك بمحاضرات وساعات توجيهية للوصول إلى أدق التفاصيل.
وفي المقابل، قد تصطدم في مواقع أخرى فهناك من يتصور أن الجامعات الخاصة، بما تتقاضاه من أموال طائلة، تمنح الطالب وقتًا وعناية أكبر، لكن الحقيقة قد تكون معكوسة تمامًا تترك الطالب يصارع التيار وحيداً، وتحول المعرفة إلى معادلات مادية جافة، حيث المساعدة غائبة والمنافسة غير عادلة، والانسحاب مشروط بدفع الثمن!

إن أصعب ما يواجه المرء في رحلة البدايات الجديدة، ليس وعورة العلم، بل أولئك البشر الذين يبدو أن وظيفتهم في الحياة هي “تعسير الميسر”، والاستمتاع بمعاناة الساعين. في إحدى المواد، كنتُ حاضرةً بكل كياني، حتى وأنا مغتربة في السفر كنتُ أتابع عبر الشاشات. لكن الأبواب أُغلقت في وجهي؛ غيابٌ يُسجل بكلمات سر خفية، وأوراق بحثية ومشاريع طوال الترم تُهمل بحجج واهية دون أن تُفتح أو تُناقش، لينتهي المطاف بظلم يغتصب السلام النفسي والمعنوي، ويُحيل التعب إلى إخفاق مرير.

ولكن، عندما تشتد عتمة اليل، يأتي اللطف الخفي من رب العالمين، في مادة أخرى وجدت نفسي في مجموعة بمفردي، أواجه تجارب معقدة، وبرامج حاسوبية حديثة لم أسمع عنها منذ عشرين عاماً. كنت أعمل على العينات وحدي، حتى سخر الله لي دكتوراً متفهماً، رحيماً، صبر على تعثري حتى استقامت أوراقي وجاء يوم الامتحان.
وفي ذلك اليوم المشهود، وتحت وطأة التوتر، اكتشفتُ أنني نسيتُ حاسوبي المحمول! وقفتُ حائرة، تائهة، والوقت يداهمني والتعديلات كثيرة.
وفي تلك اللحظة الحرجة، تجلت معجزة اللطف الإلهي، سخر الله لي جنوداً من خلقه ثلة من طلاب مشاريع التخرج، شباب بعمر الورد، لا يربطني بهم سابق معرفة ولا منفعة. احتضنوا قلقي، وأعاروني حواسبهم، وتكاتفوا حولي يدعمونني ويوجهونني بكل نبل وشهامة، حتى أنهيت التعديلات وناقشتُ، وانتهى اليوم بسلام وأمان.
إن هذه التجربة علمتني أن العلم والاجتهاد رحلة لا تعترف بقطار العمر، وأن قسوة بعض البشر ما هي إلا اختبار لصلابتنا، ليأتي بعد الكسر جبرٌ إلهي يرمم أرواحنا. لهؤلاء الشباب النبلاء، تلهج روحي بالدعاء قبل لساني: أن يسخر الله لكم جنوده، وأن يفتح لكم أبواب التوفيق والنجاح، فقد كنتم علامة فارقة بأن الخير في هذه الأمة باقٍ وممتد كشجر طيب أصله ثابت وفرعه في السماء.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات