حين تصرخُ العيونُ بلا صوت .. هناك حزنٌ يعتصرُ العقلَ قبل القلب،حزنٌ لا تشفيهِ الكلمات ولا تمحوه الأيام. إنه الوجعُ الذي يسكنُ قلبَ كلِّ أُمٍّ استودعها اللهُ طفلاً من ذوي الهمم، طفلاً عاشت تسهر الليالي لترميمِ عالمه وتقفُ كالدرعِ تحميه من نظراتِ العالم وقسوته.
لكنّ أصعبَ أنواعِ القسوة هي تلك التي تأتيك ممن ظننتَهم ملاكاً ورحمة.
في واقعةِ الطفل الصغير “أدهم”، لم تكن الفاجعةُ مجردَ مقاطعٍ مصورة تتداولُ على منصاتِ التواصل، بل كانت جرحاً غائراً نكأ أفئدةَ الملايين وخاصةً أمهاتِ طيف #التوحد اللاتي يعرفن تماماً ما يعنيه أن تضعَ روحَ طفلك في يدِ شخصٍ غريب على أملِ أن ينقله من عتمةِ الصمت إلى نورِ الحياة.
تأملوا معي المشهدَ بكلِّ تفاصيله المأساوية: طفلٌ بريء خلقه اللهُ بصفاءٍ يندرُ وجوده، لا يعرف في هذا الكون العريض سوى والديه، يجلسُ في حجرةٍ أُعدّت بحبٍّ ورعاية كَي تكونَ ملاذاً للتعلم. يتركه أبوه وأمه بحسنِ نيةٍ مطلقة، يتنحيان جانباً كي لا يشتتا انتباهه، ويتركان الأمانة بين يدي “أخصائية” ادّعت الصبرَ والخبرة.
لكنّ الكاميراتِ الخفية كانت بالمرصاد لترصدَ ما تشيبُ له الولدان.
يدٌ تجرّدت من أدنى معاني الرحمة والإنسانية تنهالُ بالضربِ والصفعات وتشدُّ من الشعر، وتوجّه القسوةَ نحو رأسِ الصغير ومُخِّه! ذلك الجزءُ الأكثرُ حساسيةً في جسدِ طفلٍ يصارعُ كلَّ ثانية ليفهمَ هذا العالم.
لماذا كلُّ هذا التنكيل؟ فقط لأنه تأخر في الاستجابة أو عجزَ عن الإجابة بالشكل المطلق!
والطفلُ يرتعد ينكمش، يبكي بصوتٍ يتكسرُ فيه الأمان، لا يملكُ أن يرفعَ ذراعيه الصغيرتين ليحمي وجهه، ولا يجدُ في حصيلته اللغوية المحدودة إلا كلمةً واحدةً تُفطِرُ الصخر: “واوا”.
كلمةٌ من حرفين.. لكنها كانت صرخةَ استغاثةٍ في صحراءَ قاحلة، كانت ملخصاً لشكوى كاملة عجزَ لسانه المعقودُ عن صياغتها، بينما استمرت تلك القسوة الجاهمة في ممارسة سطوتها بلا ذرةٍ من ضميرٍ أو رادعٍ من إنسانية.
لكنّ اللهَ لم يترك أدهم.. فقبل أن تنطقَ الكاميرات نطقت بوصلةُ الأمومة.
الأمُّ التي لاحظت الذبولَ المفاجئ في عيني طفلها والخوفَ الذي بدأ يستوطنَ ملامحه والانكماشَ الغريب كلما اقتربَ موعدُ الجلسة، صرفَ البعضُ الأمرَ قائلين: “ربما هذه من طبيعة حالته”، لكنّ قلبَ الأم لم يهدأ، لأنّ الأمّ تشعرُ بنبضِ طفلها حتى وإن كان بينهما ألفُ جدار.
فتحت التسجيلات.. لتقفَ أمامَ صدمةِ عمرها. صدمة أن ترَى قطعةً من قلبك تُسامُ سوءَ العذابِ في المكان الذي ظننتهُ أمناً وسلاماً.
وهنا ينبتُ سؤالٌ يخلعُ القلوبَ رُعباً: ماذا لو لم تكن هناك كاميرات؟ ماذا لو لم تشكّ الأم؟ كم طفلٍ الآن يُضربُ في العتمة ويُقال عن انكماشه “هذه أعراضُ #توحد”؟
كأمٍّ خاضت هذه الرحلةَ الطويلة وعاشت كوابيس الخوفِ على طفلها التوحدي حتى عبَر بفضلِ الله إلى بر الأمان ووصلَ إلى كلية الهندسة، أقولُ لكم إنّ الأطفالَ على طيف التوحّد ليسوا عاجزين ولا يُصلَحون بالضربِ والخوف.
الضربُ لا يبني عقولاً بل يكسرُ أرواحاً.
أبناؤنا يحتاجون الحب، الصبر، والاحتواء. وبقدرِ ما يعتصرنا الحزنُ على ما جرى لـ “أدهم”، بقدرِ ما يجب أن يكونَ هذا الحزنُ داكماً يُستنهَضُ به الحق.
نطالبُ الجهاتِ المختصة بحسابٍ عسيرٍ ورادعٍ لكلِّ من خان الأمانة واستغلَّ ضعفَ طفلٍ لا يستطيعُ الشكوى كي لا تتكررَ هذه المأساةُ في أيِّ بيت.
ولكلِّ أمٍّ أقولُ لكِ: كوني عينَ طفلكِ وصوته، لا تستهيني بدمعته ولا بنظرةِ الخوفِ في عينيه.. فبعضُ الأطفال لا يستطيعون أن يقولوا “أنقذوني” بالكلمات، لكنهم يقولونها بكلِّ جوارحهم.



