الأربعاء, 19 أغسطس, 2026
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
الرئيسيةمقالاتد. آية الهنداوي تكتب: الخداع جريمة إنسانية

د. آية الهنداوي تكتب: الخداع جريمة إنسانية

د. آية الهنداوي تكتب: الخداع جريمة إنسانية
د. آية الهنداوي تكتب: الخداع جريمة إنسانية

في زمنٍ تتسارع فيه الوجوه وتتشابه الأقنعة لم يعد الخداع سلوكًا طارئًا، بل صار مهارة يمارسها البعض ببرود دون أدنى اكتراث بما تخلّفه من شروخٍ عميقة في نفوس الآخرين.

لم يعد الكذب مجرد كلمات تُقال، بل تحوّل إلى أسلوب حياة يتقنه من فقدوا القدرة على مواجهة الحقيقة، فاختاروا الطريق الأسهل وهو تزييفها.
المؤلم في الأمر ليس الخداع ذاته، بل ضحاياه. أولئك الذين دخلوا العلاقات بقلوبٍ نقية، لا يجيدون الحسابات المعقّدة ولا يتقنون الشك. وثقوا لأنهم اعتادوا الصدق وأحبّوا لأنهم لا يعرفون غيره. لكنهم اصطدموا بواقع قاس، حيث يُقابل الصفاء بالاستغلال، وتُكافأ البراءة بالخديعة.

خداع الناس ليس مجرد خطأ أخلاقي عابر، بل جريمة صامتة تُرتكب في حق الثقة الإنسانية. فكل كذبة تُقال، وكل وعدٍ يُنكث يترك أثرًا لا يُمحى بسهولة. يُعلّم الضحية التردد بدل الطمأنينة والشك بدل الأمان، وربما يدفعه إلى فقدان إيمانه بالآخرين، بل وبنفسه أحيانًا.

الأخطر من ذلك، أن الخداع لا يدمّر العلاقات فقط، بل يعيد تشكيل النفوس. فالشخص الذي خُدع قد يتحوّل -دفاعًا عن نفسه- إلى نسخة أخرى من أولئك الذين آذوه. وهكذا، تستمر الدائرة ويتسع نطاق الألم.

في المقابل، يبقى الصدق خيارًا صعبًا لكنه نبيل يحتاج إلى شجاعة لا يمتلكها الجميع، لكنه وحده القادر على بناء علاقات حقيقية، لا تقوم على الوهم، ولا تنهار عند أول اختبار.

ليست المشكلة في أن هناك من يخدع، بل في أن هناك من يبرّر الخداع، أو يراه أمرًا عاديًا. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فحين يفقد المجتمع حساسيته تجاه الكذب يصبح الصدق استثناءً، وتتحوّل البراءة إلى ضعف.

وفي النهاية، سيبقى السؤال الأهم: هل نريد أن نعيش في عالمٍ نُجيد فيه خداع بعضنا، أم في عالمٍ نستطيع أن نثق فيه دون خوف؟ الإجابة ليست معقّدة، لكنها تحتاج إلى ضمير حيّ وهذا ما أصبح نادرًا.

وربما ما لا يدركه المخادع، أن أخطر ما يسرقه ليس وقت الآخرين ولا مشاعرهم، بل قدرتهم على الثقة مجددًا. فالثقة حين تُكسر لا تُرمم بسهولة، وإن عادت تعود مشروطة ومثقلة بالحذر. وهنا يتحوّل الخداع من فعلٍ فردي إلى أزمة ممتدة تُفسد نقاء العلاقات الإنسانية في جوهرها.

إن المجتمعات لا تنهار فقط بالحروب والصراعات الكبرى، بل تتآكل أيضًا حين يصبح الصدق عملة نادرة، ويُستبدل الوضوح بالمراوغة، والنقاء بالتزييف. وحينها لا يكون الخاسر شخصًا بعينه، بل الإنسانية بأكملها.


مدرس بكلية الآداب – جامعة المنصورة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات