في حضرة الفن الذي لا يشيخ، واللحن الذي بقي حيًا في وجدان المصريين، احتضنت دار الكتب والوثائق القومية معرضًا فنيًا ووثائقيًا يستعيد سيرة واحد من أبرز الذين غيّروا وجه الموسيقى المصرية، موسيقار الشعب سيد درويش، وذلك ضمن احتفالات الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية بـ«اليوم المصري للموسيقى»، وتخليدًا لذكرى ميلاد الفنان الذي ارتبط اسمه بالتجديد والتعبير عن روح المجتمع المصري.
وفي قاعة علي مبارك بمقر دار الكتب، جاءت فعاليات افتتاح المعرض كأنها رحلة إلى زمن كانت فيه الأغنية أكثر من لحن وكلمات؛ كانت صوتًا للناس، ومرآة لحياتهم، وتعبيرًا صادقًا عن أحلامهم وآمالهم وتطلعاتهم.
وأشرفت على المعرض رشا أحمد، مدير قاعة الموسيقى، التي حرصت على تقديم محتوى يجمع بين البعد الفني والتوثيقي، ويعيد تسليط الضوء على تجربة سيد درويش، ذلك الفنان الذي استطاع خلال سنوات قليلة أن يترك أثرًا استثنائيًا في تاريخ الموسيقى المصرية والعربية.
وشهد الافتتاح حضور نخبة من القامات الفنية والثقافية، تقدمهم الموسيقار حسن دنيا، والشاعر الغنائي والصحفي فوزي إبراهيم، إلى جانب نجلاء السناري، وحنان الغزاوي، وإكرام الهلاوي، والناقد والمؤرخ معتز محسن، ومنى صلاح الدين، وبسنت إبراهيم، ومستورة محمد إدريس، في حضور عكس المكانة التي لا يزال يحظى بها سيد درويش في الذاكرة الفنية والثقافية المصرية.
معرض يستعيد ذاكرة موسيقار الشعب
ويضم المعرض مجموعة مميزة من اللوحات الفنية والمواد الوثائقية والصور النادرة، التي تفتح نوافذ على مراحل من حياة سيد درويش ومسيرته الفنية، وتستعيد ملامح زمن كان فيه الفن جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية للمصريين.
وتحضر في جنبات المعرض صور ووثائق تحمل تفاصيل من مسيرة فنان لم يتعامل مع الموسيقى باعتبارها مجرد ألحان تُسمع، وإنما جعل منها لغة نابضة بالحياة، قادرة على التعبير عن الإنسان البسيط، وعن الشارع المصري، وعن التحولات الاجتماعية والوطنية التي عاشها المجتمع في تلك المرحلة.
فقد جاء سيد درويش إلى الموسيقى بروح مختلفة؛ اقترب من الناس، واستمع إلى أصواتهم، واستلهم من حياتهم موضوعاته وألحانه، حتى أصبح لقبه «موسيقار الشعب» تعبيرًا عن علاقة استثنائية نشأت بين الفنان والجمهور.
من قلب الشارع إلى ذاكرة الوطن
لم يكن التجديد الذي أحدثه سيد درويش مجرد تغيير في شكل اللحن أو أسلوب الأداء، وإنما امتد ليعيد تعريف علاقة الموسيقى بالمجتمع.
ففي أعماله حضرت أصوات الحرفيين والعمال وأبناء الشارع، وتحولت المواقف اليومية إلى مادة فنية، وأصبحت الأغنية قادرة على أن تحمل مشاعر الناس وتطلعاتهم، وأن تعبر عن لحظات الفرح والحزن والعمل والأمل.
ومن هنا جاءت أهميته التاريخية في مسيرة الموسيقى المصرية؛ إذ أسهم في الانتقال بالفن من دوائر محدودة إلى فضاء أوسع، يقترب فيه اللحن من نبض الحياة اليومية، ويتحول فيه الإبداع إلى جزء من الوجدان الجمعي.
سيد درويش.. أثر يتجاوز الزمن
ورغم مرور عقود طويلة على رحيله، لا يزال سيد درويش حاضرًا في الذاكرة المصرية، ليس باعتباره اسمًا من الماضي، وإنما باعتباره تجربة فنية متجددة، كلما عادت إليها الأجيال اكتشفت فيها جوانب جديدة من العبقرية والإبداع.
ويأتي تنظيم هذا المعرض ليؤكد أهمية حفظ الذاكرة الموسيقية المصرية، وإتاحة الوثائق والصور والمقتنيات أمام الجمهور والباحثين، بما يربط الأجيال الجديدة بتاريخ الفن المصري ورموزه، ويمنحهم فرصة للتعرف على مسيرة أحد أبرز رواد التجديد الموسيقي.
وهكذا بدت قاعة علي مبارك في هذه المناسبة وكأنها تستعيد صوتًا غاب جسدًا وبقي حاضرًا في الوجدان؛ صوت سيد درويش، الذي جعل من الموسيقى حكاية مصرية، ومن اللحن لغة للناس، ومن الفن ذاكرة لا يطويها الزمن.
فبعض الفنانين تنتهي حكايتهم حين تنطفئ أضواء المسرح، أما سيد درويش، فقد ترك وراءه ألحانًا لا تزال تمشي بين الناس، ووثائق تحفظ سيرته، وذاكرة فنية تؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يرحل.. وإنما ينتقل من جيل إلى جيل.



