ليليا؛ ريم العبدلي
في قضية تتجاوز حدود الجريمة إلى انتهاك الإنسان وكرامته وحريته، احتضنت ليبيا المؤتمر الأول حول «الاتجار بالبشر.. من التشخيص إلى المواجهة»، تحت شعار «عالقون خلف الاحتيال»، بمشاركة عدد من الشخصيات الاعتبارية والمتخصصين والمهتمين بملف الهجرة ومكافحة الاتجار بالبشر، بهدف تسليط الضوء على واقع الظاهرة، وتشخيص تحدياتها، وبحث آليات مواجهتها والحد من تداعياتها.
وأقيم المؤتمر بتنظيم لجنة الشباب والعمل والشؤون الاجتماعية، بالتعاون مع وزارة الدولة لشؤون الهجرة غير الشرعية، وشهدت فعالياته افتتاحًا رسميًا تضمن عددًا من الكلمات التي أكدت أهمية تكاتف الجهود الوطنية والمؤسسية لمواجهة جرائم الاتجار بالبشر، وحماية الضحايا، وتجفيف منابع الاستغلال والاحتيال.
محاور المؤتمر تناقش واقع الاتجار بالبشر
وتناول المؤتمر عددًا من المحاور الرئيسية التي استهدفت تقديم قراءة شاملة للظاهرة من مختلف جوانبها القانونية والأمنية والاجتماعية والمؤسسية.
وجاء المحور الأول تحت عنوان «واقع التحديات والاتجاهات الحديثة في الاتجار بالبشر»، وقدمه الأستاذ عبدالواحد اللافي، حيث تناول أبرز التحديات المرتبطة بالظاهرة، والتغيرات التي طرأت على أساليب الاتجار والاستغلال، إلى جانب الاتجاهات الحديثة التي تستغل حاجة الأفراد وظروفهم الإنسانية.
كما ناقش المؤتمر التحليل المكاني لأنماط تركز المهاجرين غير النظاميين في بلدية بنغازي، في ورقة قدمها الدكتور محمد الهمالي، تناولت أبعاد الظاهرة من منظور مكاني وتحليلي، بما يساعد على فهم مناطق التركز والعوامل المرتبطة بها.
الإطار القانوني وحماية الضحايا
وتناول المحور الثاني «الإطار القانوني للاتجار بالبشر وحماية الضحايا»، بمشاركة الدكتور محمد بن سليم والأستاذ علاء القماطي، حيث جرى بحث الأطر القانونية المتعلقة بمكافحة الاتجار بالبشر، إلى جانب آليات حماية الضحايا وضمان حقوقهم، وتعزيز قدرة المؤسسات المختصة على التعامل مع هذه الجرائم وفقًا للقانون.
الحوكمة والتعاون الدولي
أما المحور الثالث، فتناول الحوكمة والتعاون الدولي، إلى جانب الحوكمة الوطنية للهجرة، وقدمت الأستاذة حنين بوشوشة ورقة حول الحوكمة الوطنية للهجرة، فيما قدم الأستاذ وائل العشيبي ورقة تناولت التعاون الدولي في ملف الهجرة ومكافحة الاتجار بالبشر.
وأكدت المناقشات أهمية تعزيز التنسيق بين المؤسسات الوطنية، وتطوير قنوات التعاون الدولي، خاصة أن جرائم الاتجار بالبشر غالبًا ما تتجاوز الحدود الجغرافية، الأمر الذي يتطلب استجابات مشتركة وآليات أكثر فاعلية للتعامل معها.
قراءة تحليلية للمؤشرات الوطنية
وفي المحور الرابع، ناقش المؤتمر «الاتجار بالأشخاص في ليبيا.. قراءة تحليلية في المؤشرات الوطنية والأنماط والتحديات المستجدة»، في ورقة قدمها الدكتور عمر بوشعالة، حيث تناول أبرز المؤشرات والأنماط المرتبطة بالاتجار بالأشخاص، والتحديات التي تفرضها التطورات المستجدة على جهود المكافحة والحماية.
وزير العمل: الاتجار بالبشر جريمة لا تحتمل التأجيل
وفي كلمته خلال المؤتمر، أكد المهندس عبدالله الشارف، وزير العمل والتأهيل، أن قضية الاتجار بالبشر لم تعد تحتمل التأجيل أو أن تظل حبيسة التقارير والندوات، مشددًا على أن الأمر يتعلق بجريمة تمس حرية الإنسان وكرامته، وتستغل حاجته وضعفه من خلال أساليب الاحتيال والاستغلال.
وقال الشارف إن «الاتجار بالبشر ليس جريمة عادية، بل اعتداء مباشر على الإنسان وأمن المجتمع والدولة ومؤسساتها»، مؤكدًا أن انعقاد المؤتمر تحت شعار «عالقون خلف الاحتيال» يعكس الحاجة إلى الانتقال من مجرد تشخيص المشكلة ووصفها إلى اتخاذ خطوات عملية لمواجهة أسبابها وتجفيف منابعها، إلى جانب حماية الضحايا وملاحقة مرتكبي هذه الجرائم.
وأضاف أن المؤتمر لا يهدف فقط إلى التأكيد على وجود ضحايا للاتجار بالبشر، وإنما يسعى إلى الوصول إلى كل من يقف خلف هذه الجرائم، حتى تصل يد القانون إلى مرتكبيها، مشددًا على استمرار العمل من أجل بناء مواجهة حقيقية تقوم على القانون والأمن والتعاون المؤسسي والوعي المجتمعي وحماية الضحايا وتجفيف منابع الاستغلال.
«إعلان بنغازي».. توصيات لمواجهة الظاهرة
وفي ختام أعمال المؤتمر، جرت مناقشة مجموعة من التوصيات الرامية إلى تعزيز جهود مكافحة الاتجار بالبشر، وتطوير آليات حماية الضحايا، ورفع مستوى التنسيق بين الجهات المعنية، إلى جانب دعم التعاون الدولي في مواجهة الجريمة.
كما شهد ختام الفعاليات إصدار «إعلان بنغازي»، ليشكل مخرجًا مهمًا للمؤتمر وترجمة للتوصيات والمناقشات التي شهدتها جلساته، في إطار السعي إلى الانتقال من مرحلة تشخيص ظاهرة الاتجار بالبشر إلى مرحلة أكثر فاعلية في المواجهة والوقاية والحماية والملاحقة القانونية.



