الكلمة جسر في مواجهة الكراهية خاصة في عالمٍ تتسع فيه مساحات الخلاف، وتتزاحم فيه أصوات الصراع مع أحلام الإنسان في الأمان فلم يعد السلام مجرد غيابٍ للحرب، ولا هدنةً مؤقتة بين أطراف النزاع، بل أصبح مشروعًا إنسانيًا يبدأ من الكلمة، ويتشكل في الوعي، وينمو بالحوار، ويترسخ بالثقافة.
ومن هنا جاءت فكرة «استثمروا في السلام» لتفتح نافذة جديدة على مفهوم طالما ارتبط في الأذهان بوقف الرصاص وإسكات المدافع، بينما يمتد معناه الأعمق إلى بناء الإنسان القادر على قبول الاختلاف، واحترام الآخر، ومقاومة الكراهية والتعصب، وتحويل التنوع من سبب للصراع إلى مساحة للتعارف والتكامل.
وفي هذا السياق، جاء انعقاد الدورة الثانية والثمانين من صالون د. حنان يوسف الثقافي، ليضع الإعلام والثقافة والفنون في قلب معركة الوعي، باعتبارها أدوات قادرة على إعادة تشكيل الخطاب العام، ومواجهة الصور النمطية وخطابات التحريض، وصناعة مساحة أكثر اتساعًا للحوار والتفاهم.
فالسلام الذي يبدأ من اتفاقات الدول قد يحمي الحدود، لكن السلام الذي يسكن وجدان الإنسان هو وحده القادر على حماية المجتمعات من الكراهية. وبين الكلمة التي تشعل الخلاف والكلمة التي تفتح أبواب التفاهم، يقف الإعلام والثقافة أمام مسؤولية تاريخية: أن يستثمرا في الإنسان، لأن الاستثمار الحقيقي في السلام يبدأ حين نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نتنوع دون أن نتنافر، وكيف نمد جسور التواصل بدلًا من بناء جدران العزلة.
ومن هذه الرؤية، حمل اللقاء رسالة تتجاوز حدود المناسبة، لتطرح سؤالًا أكثر عمقًا: كيف يمكن أن يتحول السلام من شعار نحتفي به في يومٍ عالمي، إلى سلوك يومي وثقافة راسخة، تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمتد إلى الإعلام والفن والأدب، وصولًا إلى علاقات الشعوب والدول؟
أقيم صالون الدكتورة حنان يوسف الثقافي، تحت رعاية المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي، مساء الخميس الماضى وذلك فى دورته الثانية والثمانين، بعنوان «في اليوم الدولي للسلام: استثمروا في السلام»، وقد شارك فبه نخبة من الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين والمهتمين بقضايا السلام والحوار المجتمعي.
عُقدت الدورة برئاسة الأستاذة الدكتورة حنان يوسف، أستاذة الإعلام، رئيسة المنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي، ورئيسة الاتحاد العربي للإعلام والثقافة، في إطار جهود الصالون الرامية إلى ترسيخ قيم الحوار والتعايش وقبول الآخر.
وتناولت المناقشات مفهوم «الاستثمار في السلام» باعتباره مسؤولية إنسانية ومجتمعية مستدامة، تتجاوز مفهوم وقف الحروب والصراعات إلى بناء الوعي، وترسيخ ثقافة التسامح، واحترام التنوع، وتعزيز العدالة والكرامة الإنسانية، ومواجهة خطابات الكراهية والتعصب والاستقطاب.
وأكد المشاركون أن السلام الحقيقي يبدأ من الإنسان، ومن قدرته على قبول الآخر وإدارة الاختلاف من خلال الحوار، مشيرين إلى أن التربية والثقافة والإعلام والفنون تمثل أدوات رئيسية لصناعة السلام، إلى جانب تمكين الشباب والمرأة ودعم المبادرات المجتمعية التي تعزز التعاون والتفاهم بين الشعوب.
وسلط اللقاء الضوء على المسؤولية التي تتحملها المؤسسات الإعلامية والثقافية في تشكيل وعي مجتمعي أكثر انفتاحًا، وتقديم خطاب مهني ومسؤول يواجه الشائعات والتحريض والصور النمطية، ويعيد الاعتبار إلى قيم التضامن والتواصل الإنساني، خاصة في ظل ما يشهده العالم من أزمات وصراعات متلاحقة.
وشهدت الدورة عددًا من المداخلات والنقاشات التفاعلية، التي شددت على أن السلام لا ينبغي أن يظل شعارًا موسميًّا مرتبطًا بالمناسبات، وإنما يجب أن يتحول إلى ممارسة يومية تبدأ داخل الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع، وصولًا إلى العلاقات بين الدول والشعوب.
وأوصى المشاركون بضرورة دعم المبادرات الثقافية والإعلامية الهادفة إلى نشر قيم السلام والتعايش، وتعزيز التربية على الحوار وقبول الاختلاف بين الأجيال الجديدة، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف من خلال المحتوى الواعي والمسؤول.
كما دعوا إلى توظيف الإعلام والفنون والأدب في بناء جسور التواصل بين الشعوب، وتشجيع الشراكات المجتمعية التي تجعل السلام مشروعًا عمليًّا ومستدامًا، إلى جانب إتاحة مساحات أوسع أمام الشباب والمرأة للمشاركة الفاعلة في جهود صناعة السلام.
وتأتي الدورة الثانية والثمانون امتدادًا لجهود صالون د. حنان يوسف الثقافي، والمنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي، والاتحاد العربي للإعلام والثقافة، في فتح مساحات جادة للنقاش الفكري، وتعزيز ثقافة الحوار، والمساهمة في بناء مجتمعات أكثر وعيًا وتسامحًا وقدرة على تحويل السلام من أمنية إلى مسؤولية وممارسة يومية.
واختتم اللقاء بالتأكيد على أن السلام لا يُنتظر فقط، وإنما يُبنى ويُحمى ويُستثمر فيه.



