هناك حكايات يكتبها العمر بمداد الفراق، ثم تأتي لحظة واحدة تختصر سنوات طويلة من الغياب. وحكاية السفير يحيى شكري سرحان نجل الفنان الكبير الراحل شكري سرحان، واحدة من تلك الحكايات التي يبدو فيها الموت، رغم قسوته، كأنه يعيد ترتيب موعد تأجل طويلًا بين أب وابنه.
أعلنت أسرة الفنان الراحل شكري سرحان وفاة نجله الأكبر، السفير يحيى شكري سرحان، وسط حالة من الحزن، مطالبة محبيه بالدعاء له بالرحمة والمغفرة، على أن يتم الإعلان عن موعد العزاء لاحقًا.
لكن خلف خبر الوفاة، تختبئ حكاية إنسانية أعمق من مجرد رحيل أحد أبناء نجوم الزمن الجميل.
يحيى كان الابن الأكبر للفنان شكري سرحان، لكنه لم يسلك طريق أبيه في الفن، ولم يختر أضواء السينما التي صنعت من والده واحدًا من أبرز نجومها. اختار لنفسه طريقًا آخر، واتجه إلى العمل الدبلوماسي، حتى أصبح سفيرًا، وعاش سنوات طويلة بعيدًا عن مصر.
وكان شكري سرحان، بحسب ما نشرته وسائل إعلام مصرية في وقت سابق، أبًا لابنين؛ يحيى، الذي اتجه إلى العمل الدبلوماسي، وصلاح شكري سرحان، الفنان والسيناريست الراحل.
وبينما ظل اسم الأب حاضرًا في ذاكرة السينما المصرية، مضى الابن في حياته بعيدًا عن الأضواء، يحمل اسمه وذكرياته، ويصنع لنفسه حكاية مختلفة في بلاد بعيدة.
واليوم، بعد سنوات طويلة من الغياب، يعود يحيى إلى مصر…
لكنها ليست عودة سفير أنهى مهمة، ولا عودة ابن يطرق باب بيت أبيه بعد سفر طويل.
إنها العودة الأخيرة.
يعود إلى الأرض التي وُلد فيها أبوه، وإلى الوطن الذي ظل يحمل ذكرياته، ليُدفن إلى جوار والده شكري سرحان.
كأن الفراق الذي امتد سنوات طويلة كان ينتظر هذه اللحظة تحديدًا؛ لحظة لا يحتاج فيها الابن إلى جواز سفر، ولا إلى موعد، ولا إلى رحلة عودة، لأن الرحلة هذه المرة بلا رجعة.
رحل شكري سرحان قبل سنوات، وظل ابنه بعيدًا عنه، تعبر بينهما المسافات والسنوات. واليوم، يأتي الموت ليضع نهاية لذلك البعد، ويجمع الأب والابن في المكان نفسه، بعد أن فرّقتهما الحياة طويلًا.
ربما في الموت مفارقة موجعة؛ فمهما ابتعد الإنسان، ومهما حملته الطرق إلى بلاد أخرى، ومهما صنعت له الحياة من نجاحات ومناصب وذكريات جديدة، يظل هناك مكان واحد لا يغادره القلب.
مكان اسمه الوطن…
ومكان آخر أكثر دفئًا، اسمه الأب.
واليوم، يعود يحيى شكري سرحان إلى أبيه.
لا ليجلس إلى جواره ويتحدث معه كما كان يتمنى، وإنما ليرقد بجواره إلى الأبد.
رحلة أخيرة، لكنها هذه المرة… إلى حيث لا فراق.



